لم تنعم بنغلاديش، منذ قيامها كدولة مستقلة عن باكستان في عام 1971، بالاستقرار السياسي. فتاريخها الحديث عبارة عن انقلابات عسكرية ومماحكات حزبية وديمقراطية عرجاء وحرب شعواء بين سيدتين تنتمي كل منهما إلى مدرسة سياسية مختلفة وأيديولوجية نقيضة وإرث سياسي مضاد. وبعبارة أخرى كلما نجحت إحداهما في الوصول إلى السلطة في دكا، نكلت بالأخرى وأدخلتها المعتقل بتهم الفساد والاستبداد وخنق الحريات، بل وألغت معظم ما أنجزته، وهكذا دواليك.
توقع البنغلاديشيون الطامحون إلى السلام والوئام والاستقرار والمستقبل المعيشي الأفضل أن انتفاضتهم في شهري يوليو وأغسطس 2024 ضد نظام رئيسة الوزراء المعزولة الشيخة حسينة واجد (ابنة مؤسس البلاد الراحل الشيخ مجيب الرحمن) سوف تأتي لهم بالمن والسلوى، خصوصاً بعد أن تسلم المصرفي النوبلي الدكتور محمد يونس قيادة البلاد مؤقتاً من أجل تصحيح الأوضاع ووضع البلاد على سكة الديمقراطية والتعددية من جديد.
غير أنه بدلاً من اجتثاث كلا الحزبين اللذين احتكرا السلطة وتسببا في معاناة بنغلاديش بصور متفاوتة نسبياً، قام يونس بالتفضيل.
فحكم على حزب الشيخة حسينة (حزب عوامي) بالموت، ومنعه من المشاركة في الانتخابات العامة التي أجريت أخيراً تنفيذاً لوعوده، فخلت الساحة لحزب غريمتها السيدة خالدة ضياء (حزب بنغلاديش الوطني)، وكان أن فاز الأخير بأغلبية حاسمة (212 مقعداً برلمانياً من أصل 300) تحت قيادة زعيمه الجديد «طارق ضياء الرحمن» ابن خالدة ضياء، العائد من منفاه اللندني، وذلك في تكرار لظاهرة التوريث السياسي المعروفة في آسيا وشبه القارة الهندية، بل وتكرار للماضي، حيث انتجت الديمقراطية الجديدة التي أطلقها الدكتور يونس وضعاً عرفه البنغلاديشيون طويلاً مع اختلاف طفيف تمثل في غياب الشيخة حسينة وحزبها عن المشهد وأيلولة السلطة إلى ابن غريمتها وخصمها اللدود، بتفويض شعبي كاسح.
يأمل الشعب الآن أن يمثل هذا التغيير نقطة تحول حاسمة لأمتهم التي عانت كثيراً من الإرهاق المؤسسي والمماحكات والخلافات، علماً أن حقبة زعيمتهم السابقة المطاح بها لم تكن كلها شراً، إذ حققت البلاد في عهدها أسرع معدلات النمو وأكثرها لفتاً للنظر في آسيا ومنطقة المحيط الهادي.
وبعبارة أخرى يأمل هؤلاء أن ينعموا بإدارة جديدة ذات مصداقية، وأن يسعى رئيس الحكومة الجديد طارق رحمن إلى وضع قواعد لبناء مؤسسات الدولة على أسس الانضباط والرقابة والشفافية، ودون تسلط واحتكار لأدواتها، وألا يعتقد أن التفويض الشعبي الساحق الممنوح له يخوله إخضاع الشعب.
وبطبيعة الحال، سمعوا من زعيمهم الجديد وعوداً بذلك، وبأنه سوف يستخدم رأسماله السياسي في تحقيق أهداف قابلة للقياس، وفي إعادة هيكلة الاقتصاد والإدارة والمالية العامة، والحد من الهدر.
والحقيقة أن لطارق رحمن وحزبه طموحات اقتصادية واسعة محورها تحويل بنغلاديش إلى اقتصاد بقيمة تريليون دولار بحلول عام 2035، وتحجيم البطالة والتضخم، غير أن الذاكرة التاريخية لئن قالت لنا إن والدته، ومن قبلها والده الجنرال ضياء الرحمن حققا خلال توليهما السلطة بعض النجاحات الاقتصادية والتنموية من خلال تشجيع هجرة العمالة ودعم قطاع الملابس، إلا أن الاقتصاد العالمي اليوم تغير كثيراً عن تلك الحقبة، فهو اليوم أكثر تقلباً ولا يسمح بالصعود كثيراً في مجال التصدير، كما وأن تدفقات التحويلات المالية للعمالة عرضة للتحولات الجيوسياسية.
إلى ذلك، فإن طموحات حزب بنغلاديش الوطني الاقتصادية تتطلب وجود جهاز بيروقراطي كفؤ مسنود بالانضباط المؤسسي أكثر من الخطابات والوعود الرنانة.
من ناحية أخرى، يستلزم نجاح خطط العهد الجديد ووعوده رفع نسبة الضرائب، كإستراتيجية تمويلية، وهذا قد يفجر غضباً شعبياً جديداً وسط الفئات المرهقة معيشياً، خصوصاً وأن ما لا يقل عن 40 مليون نسمة من السكان البالغ عددهم 170 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر.
ومن ناحية ثالثة، فإن الحكومة الجديدة في دكا لن تنجح في عملها وخططها ووعودها دون استقرار وضبط وتقوية علاقاتها الخارجية بالقطبين الهندي والأمريكي.
فالهند هي جارتها الكبرى الأكثر تأثيراً في محيطها، والولايات المتحدة هي أكبر مستورد للسلع البنغلاديشية.