حين يطرح ملف المعادن النادرة في أي نقاش استراتيجي، يتقدّم اسم واحد إلى الواجهة: الصين. ليس لأنها الدولة الوحيدة التي تملك هذه الموارد، بل لأنها نجحت خلال ثلاثة عقود في بناء منظومة متكاملة، تجعلها اللاعب الأكثر تأثيراً في هذه الصناعة عالمياً.
ومع أن الصين لا تمتلك الاحتياطي الجيولوجي بالكامل، فهناك دول أخرى تملك موارد معتبرة، لكن الفارق الحقيقي يكمن في السيطرة على مراحل المعالجة والتكرير. فبينما يتركز التعدين في عدة دول، فإن الجزء الأكبر من عمليات الفصل الكيميائي والتصنيع المتقدم للمغناطيسات الدائمة يتم داخل الصين. وهذه المغناطيسات تدخل في كل شيء تقريباً: السيارات الكهربائية، توربينات الرياح، الإلكترونيات الدقيقة، وحتى بعض التطبيقات الدفاعية.
بدأت بكين الاستثمار في هذا القطاع منذ التسعينيات، حين اعتبرت المعادن النادرة مورداً استراتيجياً طويل الأمد. استفادت من انخفاض تكاليف الإنتاج، وتحمّلت أعباء بيئية كبيرة في مراحل مبكرة، مقابل بناء قاعدة صناعية قوية. ومع مرور الوقت، انتقلت من تصدير الخام، إلى تصدير المنتجات ذات القيمة المضافة العالية، وهو التحول الذي يصنع الفارق الحقيقي في ميزان القوة الاقتصادية والصناعية.
هذا التركّز في سلاسل الإمداد، منح الصين ورقة نفوذ جيوسياسية. ففي عالم يعتمد بشكل متزايد على التقنيات النظيفة والرقمية، يصبح التحكم في المواد الأولية الحساسة، عنصراً من عناصر الأمن القومي. لذلك، تنظر العديد من الدول الغربية إلى الاعتماد المفرط على الصين، باعتباره مخاطرة استراتيجية، وتسعى إلى تنويع مصادرها، وتقليل هذا الاعتماد.
لكن بناء بدائل ليس بالأمر السهل. فالمعالجة الكيميائية لهذه العناصر، تتطلب خبرة طويلة، واستثمارات ضخمة، إضافة إلى تشريعات بيئية معقدة. ولهذا، لا يمكن فصل الحديث عن المعادن النادرة، عن مفهوم «سلاسل القيمة»، وليس مجرد «المناجم».
المفارقة أن الصراع الدائر حول هذه المعادن، لا يُخاض في ساحات عسكرية، بل في المصانع ومراكز البحث والاتفاقيات التجارية. إنه صراع على المستقبل الصناعي، أكثر منه على الأرض ذاتها.
ويبقى السؤال: هل تستطيع الدول الأخرى كسر هذا الاحتكار الصناعي خلال العقد المقبل، أم أن التفوق الصيني سيبقى عنصراً حاسماً في التأثير في الاقتصاد والسياسة العالمية؟