تكمن إحدى أعمق مفارقات الوجود الإنساني في أن معرفتنا بذواتنا لا تكتمل في عزلة التأمل، بل تبلغ ذروتها حين نلمح انعكاسنا في عيون الآخرين، وهذا الانعكاس الذي تصفه دراسات الإعلام بـ«رجع الصدى»، ليس مجرد مؤشر تقني، بل هو بوصلة تعيد تشكيل وعي المرسِل بذاته وكيف يتلقى المرسل إليه الرسالة الإعلامية، وهذا يذكرني بتجربتي قبل سنوات عندما كنت أستاذة مُحاضِرة في كلية الاتصال بجامعة الشارقة، وفي خضم تدريسي لمادة «مدخل إلى الاتصال»، دفعتني الرغبة في تجسير الهوة بين النظرية والتجربة، من خلال أن أتحول من مجرد ناقل للمعرفة إلى موضوع لها، حيث طلبت من طالباتي أن يقدّمن لي «رجع الصدى» الخاص بهن في قراءة صريحة لتجربتهن التعليمية وكتابة آرائهن في قصاصات صغيرة بدون كتابة أسمائهن حول شرحي وأدائي كمرسل للمعرفة، وكان ذلك في ظاهره تمريناً أكاديمياً، لكنه كان اختباراً شخصياً، دون أن أدرك أن تلك المرآة ستعاود الظهور في حياتي بعد سنوات!

وقبل أيام وجدت صدفة تلك القصاصات التي مضى عليها أكثر من عشر سنوات بين دفتي مجلد أكاديمي خاص بالدراسات الإعلامية في مكتبتي، وتأملتها بشغف عميق، إذ كانت شهادات على لحظات دافئة وتجربة مهنية ملهمة، فقرأت في قصاصة كتبتها طالبة أن نقاشاً جانبياً خاضته معي عن الخوف من التحدث أمام الجمهور جعلها تشعر بأنها «ليست وحدها في هذا القلق»، وكيف أن تلك العبارة البسيطة منحتها الشجاعة للمشاركة لأول مرة، وقرأت لطالبة أخرى وصفت كيف أن مثالاً عابراً استخدمته في الشرح ظل يتردد في ذهنها لأسابيع، وساعدها على فهم مشكلة شخصية كانت تواجهها، وكانت هناك أيضاً ملاحظات دقيقة حول نبرة الصوت التي بدت «مطمئنة» في يوم صعب، أو عن الصمت الذي منحته للسماح للأفكار بالترتّب قبل الإجابة، وآراء أخرى عن حزمي في القاعة الدراسية، وآراء عن اختباراتي الصعبة، ولم تكن هذه مجرد تفاصيل، بل كانت قصصاً مصغرة عن الأثر الخفي للكلمات والسلوكيات، وأدركت حينها أن ما نعتبره هامشياً وعابراً في أدائنا، هو ما يبقى ويترسخ في ذاكرة وقلب إنسان آخر.

هذه التجربة كشفت لي عن وجود نوعين من القيمة التي نتصارع معهما باستمرار، والأولى هي «مكانة الحضور»، وهي قيمة خارجية.. متقلبة، وتعتمد على الاعتراف الفوري من الآخرين، وهي سعي مرهق لإثبات الجدارة في ساحة عامة، حيث تُقاس قيمتنا بمدى ظهورنا، وبحجم التصفيق الذي نحصده، وهذه المكانة تجعلنا في حالة من القلق الدائم، لأنها ترهن تقديرنا لذاتنا بأحكام خارجية لا نملك السيطرة عليها، وتجعل من ذواتنا سلعة في سوق اجتماعي لا يرحم، أما النوع الثاني، الذي أضاءته لي تلك الأوراق، فهو ما أسميه «مكانة الأثر»، وهي قيمة داخلية.. صامتة، وتتراكم بهدوء مع الزمن، ولا تُبنى على ضجيج المنافسة، بل على همس التأثير الذي نتركه في حياة شخص آخر، إنها مكانة لا تسعى لإثبات الحضور، بل لتكريم العلاقة الصادقة بين الكلمة ومن يتلقاها، وتجد معناها في التغيير الخفي الذي نحدثه.

ومكانة الأثر تنسج إدراكاً عميقاً بأن بعض الكلمات تستمر في العيش خارج زمنها، وأن حضورنا قد يتحول إلى فكرة تمنح شجاعة، أو مساحة آمنة لسؤال لم يكن له مكان، وهنا يتجاوز رجع الصدى وظيفته التقنية ليصبح شاهداً على أن العلاقة الإنسانية قادرة على إنتاج معنى يتسامى على الأداء المهني، ولهذا السبب لا يظهر أثر التعليم الحقيقي في النتائج الفورية، بل يتأخر ليعود في هيئة قرار أو موقف أو اختيار جديد يصنعه الآخرون لأنفسهم، في حياتهم الخاصة.

وقد لا نتحرر كلياً من رغبة الاعتراف، فالحاجة للتقدير جزء أصيل من تركيبتنا البشرية، لكن يمكننا تهذيبها وإعادة توجيهها، فالسعي المحموم نحو مكانة الحضور هو دوران في حلقة مفرغة تستهلك الروح، بينما الاهتمام بمكانة الأثر هو غرس بطيء ومثمر في أرض الواقع، وبين هذين المسارين، يبقى السؤال الوجودي قائماً: هل نكرس حياتنا لبناء صورةٍ لامعة تنعكس سريعاً وتخبو، أم لترك أثرٍ خصبٍ يستمر في النمو حتى بعد أن تغيب أصواتنا؟