يحاول المرء في هذا الشهر الفضيل المحافظة على طاقته، ومن أكثر ما يحرق سعراته الحرارية تلك النقاشات العقيمة. مشكلتنا لا تكمن في النقاش بحد ذاته، بل في أننا لا ننتبه إلى طبيعة شخصيات من نجالس. في ثنايا كلام الناس رسالات عديدة صريحة، وغير مباشرة، تنم عن ملامح أسلوبها في الكلام، ولذلك فإن محاولة فهم «شخصية محدثنا» تساعدنا على أن نرهف السمع جيداً، وعليه كان المنصت الذكي من يحاول أن يصغي جيداً إلى المتحاورين أمامه، خصوصاً إذا كان حديث عهد بهم، وذلك ليفهم شخصياتهم فلا يتورط بالدخول معهم في نقاش عقيم، ونسمع بين الفينة والأخرى عن معاناة أولئك الذين يحتكرون الحديث أو يتجاهلونه، أو يسفهون الرأي الآخر، الأمر الذي يفسد متعة الحوار.
والسؤال هو: كيف نكتشف شخصية المتحدث أو أساليبه في النقاش؟ الإجابة بأن نطرح عليه موضوعاً عاماً ومباشراً، كأن نسأله عن حالة الطقس، مثلاً، أو نطرح عليه أسئلة متعلقة بعمله، وفي أثناء إجابته تتم ملاحظة «الياءات الأربعة» الآتية، فهي مؤشرات تكشف لنا جانباً لا بأس به من أسلوب المتحدث في الكلام:
الأولى، هل «ينصت أم يقاطع». لا يمكن أن يكون الفرد منصتاً جيداً وهو كثير المقاطعات، ولذا يتطلب الأمر ملاحظة دقيقة لمن سنخوض معه نقاش ما: هل ينصت إلى الآخرين حتى ينهوا كلامهم أم أنه يقاطعهم باستمرار؟ فإذا كان كثير المقاطعات فمن حقنا تنبيهه - بطريقة لبقة - بعدم تكرار مقاطعاته، وذلك بالتوقف فوراً عن الحديث كلما شرع في مقاطعة جديدة، وذلك لنستمع إليه، فمع تكرار هذه الحيلة ترتفع احتمالية أن ينتبه إلى أن مقاطعاته المتكررة تقطع حبل أفكارنا، وتعيقنا أحياناً عن الاسترسال في الحديث، وإذا لم تفلح معه هذه الطريقة فيمكننا الطلب منه، بابتسامة عفوية، أن يمهلنا لحظات كي نكمل الفكرة أو المعلومة المراد إيصالها، ويأخذ هو أيضاً حقه من عملية الإصغاء.
على الجانب الآخر فهناك أشخاص يصعب أن تغير طباعهم كلمات منمقة أو إيماءات جسدية، ومن الأجدر تركهم حتى يفرغوا كل ما في جعبتهم، ومن ثمة نحاول اقتناص اللحظات التي يتوقفون فيها لعلنا نوصل إليهم، وبسرعة خاطفة ردودنا المباشرة والمقتضبة. إن حواراً كهذا قد يصفه البعض بأنه «غير صحي» أو عديم الجدوى، ولكن لا مانع من مواصلة الحوار، خصوصاً إذا كان مهماً، لتمرير ما نستطيع من رؤى ومعلومات.
الياء الثانية هي هل «يصر على رأيه»؟ من البديهي أن يفسد إصرار الفرد على رأيه حلاوة الحوار، ولكي نتفادى هذه المشكلة يفضل أن نشعره بأننا نقف إلى جانبه، وأننا لسنا في خصومة معه، ويكون ذلك من خلال مدح محدثنا، فالإنسان يحب المديح بطبعه وإن تظاهر بخلاف ذلك، والمقصود بالمدح ما يستحق من نقاط جيدة يثيرها المتكلم، لما يبعثه ذلك من راحة وقبول. بمعنى آخر نشعره بأننا لا نخالفه الرأي دائماً، والدليل أننا نمتدحه، ونتفاعل بجدية مع أفكاره ومعلوماته.
ومن الأمور التي تجعل المتحدث لا يصر على رأيه، توجيه كلمات مريحة تجاهه، من حين لآخر، مثل: «أحترم رأيك» أو «أتفق معك في هذه الجزئية» أو «فكرتك ممتازة ولكن ما رأيك بكذا...». هذه العبارات لها وقع إيجابي على المتحدث، وهي مؤشر على أن المتحدث لا يخالفه الرأي، ولا داعي لأن يواجهه هو بالإصرار على رأيه.
الياء الثالثة هل «يتفاعل». أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه هو الدخول في حوار مع فرد لا يرغب أصلاً بالتحدث! ولذلك تقول العرب: «لا تطعم طعامك من لا يشتهيه» بعض الناس مهما كانت الموضوعات، التي نطرحها عليهم شيقة إلا أننا لا نجد تفاعلاً يذكر من قبلهم، والغريب أننا نصر على إقحامهم في الحوار، وتكون النتيجة أن يتظاهروا بالإنصات أو يستمعون على مضض، وربما بتململ، وهو أمر يفضي إلى حوار غير صحي، ولكي نقيس درجة تفاعل الآخرين في بداية الحوار لا بد من التفرس في تعابيرهم، وإذا ما وجدنا قبولاً نواصل الحديث أما إذا ما بدا لنا عدم اهتمام فيفضل تغيير الموضوع أو توجيهه نحو طرف آخر أكثر اهتماماً، كما أن متابعة نظرات المتحدث وإيماءاته يعطينا مؤشراً على مدى تفاعله، فكلما قلت حركته وخفت حركة العينين دل ذلك على أنه قد بدأ يتفاعل، والعكس صحيح.
الياء الرابعة هل «يكره الانتقاد»؟ الانتقاد صفة لا يحبها الناس، وقد يعود السبب إلى أن كثيراً من تجارب الطفولة تعود جذورها إلى أن «الانتقاد» كأن يستقبلنا أولياء أمورنا بوابل من التوبيخ أو اللوم أو العتاب، عندما نرتكب خطأ ما، ولأنه ليس هناك من أحد إلا وقد عانى هذا الانتقاد في صباه فإنه حري بنا تجنب انتقاد من نتحدث إليهم - قدر الإمكان - لكيلا يعرضوا عنا.
معرفة «الياءات الأربعة» في حواراتنا تساعدنا على حسن تقدير الموقف قبل التورط في نقاشات مرهقة، وبذلك نضمن الدخول في حوار هادئ وبناء.