في دراسات الإدراك البصري هناك ما يسمى تأثير تروكسلر: يلاحظ هذا التأثير عندما ينظر الإنسان إلى صورة تحتوي على نقطة واضحة في مركزها، تحيط بها عناصر ثابتة على الأطراف، وحين يثبت النظر على تلك النقطة لفترة من الوقت دون تحريك العينين تبقى نقطة التثبيت حاضرة في الوعي، بينما تبدأ العناصر المحيطة بالغياب تدريجياً عن الإدراك. لا يتغير المشهد فعلياً لكن انتباهنا ينحصر في موضع واحد، فتخرج العناصر الأخرى من دائرة الإدراك رغم أنها ما زالت أمامنا.
ما يحدث هنا ليس حيلة بصرية، بل جزء من آلية الانتباه، فالعقل يتنبه للتغير بطبيعته، ومع امتداد الثبات يبهت الإحساس بما لا يشمله مركز الانتباه، وحين تقل حركة العين تبقى العناصر الطرفية ثابتة على الشبكية، فيتعامل معها الدماغ بوصفها معلومة مستهلكة، فيقصيها بصمت من الوعي.
هذا التلاشي الهادئ لا يشعرنا بأن شيئاً مهماً قد غاب، فما دام المركز واضحاً نطمئن إلى أن الصورة حاضرة.
إن ما يحدث في هذه التجربة البصرية يقدم مفتاحاً لفهم ما يتكرر خارج العين أيضاً، حين يضيق نطاق انتباهنا، ويستغرقنا التركيز في اتجاه واحد، فتبدأ أطراف الصورة في الغياب تدريجياً.
في الحياة اليومية يتجلى هذا المعنى بوضوح: عمل يمتد فلا ننتبه لطوله، تفكير يستحوذ، لأننا نمنحه مساحتنا الذهنية كاملة، وإيقاع سريع يستهلك الوقت والطاقة دون أن يترك فرصة للتوقف. هكذا يتقدم ما يشغلنا إلى المركز، لا لأنه الأهم دائماً، بل لأنه الأكثر حضوراً في وعينا، بينما تتراجع بقية العناصر بهدوء، وهذا التحول لا يحدث فجأة: يبدأ بتأجيل بسيط، وينتهي بغياب لا ننتبه إليه.
أحياناً لا نحتاج إلا إلى توقف قصير، أو ربما رمشة عين، لحظة نرفع فيها أعيننا عما يشغلنا، فنرى ما ظل حاضراً طوال الوقت دون أن نلتفت إليه، قد يكون لقاء والدين نؤجله، أسرة نعيش معها دون حضور، أو صحة نؤجل العناية بها. التوقف هنا لا يغير المسار، لكنه يعيد ترتيب الصورة، ويظهر بهدوء ما وضعناه في المركز، وما تركناه يتراجع إلى أطرافها. ما نكتشفه متأخرين أن وضوح المركز لا يعني اكتمال الصورة، وأن كثيراً مما نفقده في الحياة لا يرحل فجأة، بل ينسحب بهدوء من أطراف الصورة.