من جامعة الإمارات إلى جامعة الفجيرة

تحتفل جامعة الإمارات العربية المتحدة هذا العام بمرور 50 عاماً على تأسيسها.

واليوبيل الذهبي لأول جامعة في دولة الإمارات، ليس مناسبة تخص جامعة الإمارات وحدها، ولكنه حدث يجب أن تحتفل به كل الجامعات التي تم تأسيسها في دولة الإمارات منذ عام 1976 وحتى اليوم، كونه شكّل نقلة كبيرة في مسيرة التعليم في دولة الإمارات.

فقبل تأسيس جامعة الإمارات، كان طلبة وطالبات الإمارات يواصلون تعليمهم العالي في الجامعات العربية والأجنبية، التي كانوا يشدون الرحال إليها بعد إنهاء دراستهم الثانوية.

إنشاء جامعة كان واحداً من الأحلام التي راودت المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، قبل قيام دولة الإمارات، وحتى قبل أن يصبح حاكماً لإمارة أبوظبي.

وقد حدّث عنه ضابطاً بريطانياً كبيراً صديقاً له، عندما كان الشيخ زايد، عليه رحمة الله، حاكماً لمدينة العين، في القصة التي أوردها الصحافي الهندي الشهير «كرانجيا»، على لسان الشيخ زايد، عليه رحمة الله، بعد ليلة قضاها معه حتى ساعات الفجر الأولى، وكان ذلك بعد مأدبة عشاء أقامها الشيخ زايد للصحافي الهندي في بيته، بمناسبة زيارته للإمارة، وكانت نتيجة تلك الليلة، واحدة من أنجح لقاءاته مع زعماء المنطقة بكاملها، كما قال «كرانجيا» بعد ذلك.

في تلك الليلة، روى الشيخ زايد، عليه رحمة الله، لرئيس تحرير مجلة «بليتز» الهندية، قصة حدثت له مع صديقه الضابط البريطاني الكبير، تحدث فيها عن أحلامه، وكان من بين تلك الأحلام، إنشاء جامعة حدد له مكانها.

وقتها قال الضابط البريطاني للشيخ زايد: «دعك من أحلام اليقظة».

ومرت الأيام، ونسي الشيخ زايد الحديث كله، حتى جاء الصديق البريطاني ليزور الشيخ زايد بعد أكثر من عشرين سنة، وكان قد اعتزل الخدمة في بلاده، ليجد أن كل أحلام الشيخ زايد قد تحققت، وأنها لم تكن أحلام يقظة، كما كان يتصور عندما حدثه الشيخ زايد عنها.

وفي كلمته أثناء تدشين جامعة الإمارات العربية المتحدة لفعاليات يوبيلها الذهبي، قال معالي زكي أنور نسيبة المستشار الثقافي لصاحب السمو رئيس الدولة، الرئيس الأعلى للجامعة، إن هذا الصرح العلمي تم تأسيسه بتوجيهات ورؤية حكيمة من المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ليكون منارة للفكر الإنساني، ومركزاً رائداً لتنمية الثروة البشرية، ونشر الثقافة وتعميق جذورها.

بدعوة كريمة من الصديق الدكتور سليمان موسى الجاسم، المدير الأسبق لجامعة زايد، وأحد رموز التعليم الجامعي في الإمارات، قمت، مع مجموعة من الأصدقاء، بزيارة «جامعة الفجيرة»، في مقرها الذي تم تجديده، بعد أن أصدر صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي عضو المجلس الأعلى حاكم الفجيرة، في 6 يناير 2025، مرسوماً أميرياً يقضي بدمج «جامعة الفجيرة» مع «جامعة العلوم والتقنية»، تحت اسم «جامعة الفجيرة».

كما أصدر سموه مرسوماً أميرياً آخر، بتسمية مجلس أمناء الجامعة، برئاسة سمو الشيخ محمد بن حمد الشرقي ولي عهد الفجيرة، وتم تكليف الدكتور سليمان موسى الجاسم برئاسة الجامعة الجديدة، والإشراف على عملية الدمج بين الجامعتين.

الدمج خطوة تعكس تحوّلاً في فلسفة إدارة التعليم العالي في دولة الإمارات، فالجامعات لم تعد مجرد مبانٍ وقاعاتٍ ومحاضرات، ولكنها أصبحت أدوات تنمية ومختبرات لإنتاج الكفاءات، وهو خطوة تعكس نضجاً في إدارة القطاع التعليمي الجامعي.

ولا يمكن إغفال البعد الرمزي لقرار الدمج، فحين يصدر مرسوم بإعادة هيكلة مؤسسة تعليمية، فهذا يعني أن التعليم أولوية سيادية.

الأمر الذي ينسجم مع التوجه الوطني الأوسع نحو اقتصاد المعرفة، حيث لم تعد الثروة في الموارد الطبيعية، بل في العقول المدربة والابتكار.

كما يفتح الدمج الباب أمام شراكات دولية أوسع، فوجود كيان أكبر وأكثر استقراراً، يسهل عقد اتفاقيات تبادل أكاديمي وبحثي مع جامعات عالمية.

من «جامعة الإمارات» إلى «جامعة الفجيرة»، يمتد جسر يصل بين ما أنجزه الآباء المؤسسون قبل 50 عاماً، وما ينجزه الأبناء والأحفاد اليوم، جسر تضيء جوانبه منارات العلم، التي أصبحت تنتشر في أنحاء الإمارات، تحتضن أبناءها وأبناء البلدان الأخرى الذين يفدون من كل أنحاء الدنيا، ليتلقوا العلوم على أرضها، بعد أن كان أبناء الإمارات يتلقون علومهم في الخارج. هكذا قلبت الإمارات المعادلة.