لنعد إلى الوراء قليلاً ونروِ كيف كان المشهد السياسي في طوكيو في سبتمبر 2025، بُعيد الاستقالة المفاجئة لرئيس الحكومة السابق «شيغيرو إيشيبا» قبل أن يكمل عامه الأول في السلطة.
كان الانقسام في الشارع وفي البرلمان وداخل أروقة الحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم هو سيد الموقف، وسط تجاذبات واصطفافات ودعوات إلى إجراء انتخابات عامة جديدة أو اختيار زعيم شاب قوي يعيد الوهج للبلاد بسياسات حكيمة ويضمن لها الاستقرار الطويل، ويعالج الاقتصاد من تراجع قيمة الين، وتفاقم معدلات التضخم، وضغوط التعريفات الجمركية الترامبية، ويجد حلولاً سريعة لملفات داخلية شائكة مثل الضرائب والهجرة، والعمالة الأجنبية ومعدلات الشيخوخة.
في النهاية، تقرر أن يُجرى تصويت برلماني لاختيار زعيم جديد للبلاد، ففازت السيدة القومية المتشددة «ساناي تاكائيتشي»، لتصبح هذه المرأة الستينية أول زعيمة لليابان في تاريخها، وسط ذهول العالم كون المرأة اليابانية لا تحظى عادة بمكانة رفيعة في المشهد السياسي الذي يسيطر عليه الذكور بإحكام.
وقتها قلنا إن المقام لن يطول بها في السلطة، وسوف تحارب بضراوة من عواجيز الحزب الحاكم الذين كثيراً ما وضعوا الدواليب في طريق الوجوه السياسية الشابة من الجنسين، خصوصاً في ظل افتقاد الحزب الحاكم آنذاك للأغلبية المطلقة في البرلمان، وبالتالي حاجته لحليف موثوق لتمرير أجندته.
هذا ناهيك عن مفاجأة فجرها وقتذاك «سايتو تيتسو» زعيم حزب كوميتو البوذي الصغير بإعلانه عدم تجديد ائتلافه مع الحزب الحاكم.
ووقتها قلنا أيضاً إن تاكائيتشي لن تجد حلاً لهذه المعضلة إلا بالدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة، ووصفنا هذا الحل بالحل الانتحاري الذي قد يخرج حزبها من السلطة، خصوصاً مع تآكل شعبيته بسبب فضائح مالية.
غير أن ما حدث كان أيضاً مفاجئة للكثيرين. إذ سرعان ما أبرزت تاكائيتشي عن مواهبها السياسية في إيجاد الحلول للأزمات، وعزمها على أن تثبت لليابانيين أن المرأة اليابانية قادرة على قيادة البلاد بصورة أفضل من الرجال، فعقدت تحالفاً جديداً مع «حزب التجديد الياباني» ذي التوجهات اليمينية القومية، والمعروف أيضاً باسم «نيبون إيشن لو كاي»، وذلك لضمان الأغلبية البرلمانية لحزبها ولتأمين بقائها في السلطة.
في نوفمبر الماضي، ألقت تاكائيشي، التي تعتبر سيدة بريطانيا الحديدية مارغريت تاتشر قدوتها، قنبلتها الأولى حينما قالت في كلمة برلمانية بأن «أي هجوم صيني على تايوان لضمها بالقوة إلى السيادة الصينية سوف يعتبر تهديداً لبقاء اليابان، ما قد يبرر رداً عسكرياً».
هذا التصريح غير المسبوق لزعيم ياباني، وبهذا القدر من الوضوح، أشعل غضب بكين التي تعتبر تايوان من أكثر القضايا حساسية في علاقاتها الخارجية، بل تعتبر تايوان جزءاً من أراضيها وتكرر إصرارها على إعادتها إلى سيادتها بالقوة إنْ لزم الأمر.
غير أن وقع الخطاب داخلياً كان إيجابياً بحكم ما تمثله تايوان لليابانيين من ذكريات تاريخية، وبحكم العلاقات المتوترة مع بكين بسبب رواسب قديمة وخلافات حول السيادة على الأراضي والمياه، دعك من تنافسهما اقتصادياً وجيوسياسياً.
ويبدو أن تاكائيتشي لاحظت، بعد خطابها هذا، ارتفاع شعبيتها داخلياً، فقررت أن الوقت مناسب للدعوة لانتخابات عامة مبكرة. وبالفعل جرت الانتخابات في فبراير الجاري، وظهرت نتائجها النهائية في الثامن منه، لتفاجئ العالم مجدداً بأنها سيدة المفاجآت.
إذ حقق حزبها مع حليفه «حزب التجديد» فوزاً ساحقاً، هو الأول له منذ سنوات طويلة، بحصوله على 316 مقعداً من أصل 465 مقعداً من مقاعد مجلس النواب.
وبهذا ضمنت الزعيمة اليابانية لها ولحزبها أغلبية الثلثين، بعد أن كانت تسيطر على 198 مقعداً فقط، ولقنت تحالف المعارضة بقيادة الحزب الديمقراطي الدستوري درساً بتراجع عدد مقاعده من 172 إلى 49 مقعداً فقط. وهو ما يعني أنها باقية على رأس السلطة بقوة، على الأقل، خلال السنوات الأربع القادمة.
وهذا بدوره يمنحها الحرية لتنفيذ أجندتها دون قلق أو صداع أو حذر، وعلى رأسها تعديل الدستور لتحرير الجيش من قيود عدم التسلح، وتعميق التحالف مع واشنطن، وتمرير تشريعات حول تعليق ضريبة الاستهلاك، وتنفيذ برنامج إنفاق حكومي ضخم.
ونختتم بتساؤل البعض عن سر انجذاب الناخب الياباني دوماً إلى الحزب الديمقراطي الليبرالي، وتفويزه للبقاء في السلطة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وتدشين الديمقراطية التعددية، وتأسيس الحزب سنة 1955؟ لو حدث هذا في دولة من دول العالم الثالث، لقلنا إن هناك تزويراً أو استخداماً للمال السياسي أثناء الانتخابات، لكن في اليابان لا يوجد شيء من هذا القبيل، وإنما هو تقدير ووفاء واعتزاز بحزب كان وراء نهضة واستقرار البلاد، والحفاظ على هويتها الخاصة، وفق رؤية سلمية وسياسات حكيمة بعيدة عن الغوغائية والشعارات.