حين تتحول الثقة إلى بديل عن المعرفة، ليس أخطر على المؤسسات من شخص لا يعرف.. إلا ذلك الذي لا يعرف، ويُقسم أنه يعرف.
يتحدث بثقة كاملة، يوقّع بلا تردد، ويرفض بلا قراءة. هنا لا تكون المشكلة في نقص المعرفة، بل في وهمها حين يتحول إلى مصدر للقرار.
في مواقع المسؤولية، لا تتعثر المؤسسات بسبب قلة الأفكار أو غياب الدراسات، بل حين تتقدّم الثقة الزائفة لتحتل مكان الفهم.. هناك، يتصدر المشهد من يملك يقيناً عالياً بلا معرفة مكافئة، فتُهمَّش الخبرة، ويُقصى المختصون، وتُتخذ قرارات حاسمة باسم الجرأة، لا باسم العلم.
الثقة الحقيقية تُبنى على معرفة وتجربة، أما الثقة الزائفة فهي ابنة فراغ معرفي. كلما ضاق الأفق اتسع اليقين، وكلما قلت الخبرة زادت الجرأة.. لذلك كثيراً ما نرى من يتحدث بأعلى صوت، هو الأقل فهماً، بينما يتأنّى الخبير، لأنه يدرك تعقيد الواقع وحدود المعرفة.
غير المؤهل الواثق لا يحب الأسئلة، ولا يحتمل النقاش، ولا يرتاح للدراسات.. السؤال يربكه، والنقاش يكشف هشاشته، والدليل العلمي يهدد صورته التي بناها حول نفسه. فيلجأ إلى أسهل الطرق: التشكيك في الخبراء، تسفيه الرأي العلمي، ووصف كل فكرة جديدة بأنها «نظرية» أو «غير عملية».
هذه العقلية لا تُنتج قرارات ضعيفة فحسب، بل تُنتج بيئة طاردة للكفاءات. العاقل يُتّهم بالتعقيد، والمتخصص يُصنّف على أنه غير عملي، والمتواضع يُقرأ على أنه متردد. في المقابل، يتقدم من يملك الثقة في الكلام لا الكفاءة في الفعل. والنتيجة معروفة: مشاريع تبدأ بحماس وتنتهي بصمت، وأعذار جاهزة، بدل مراجعة جادة للأخطاء.
في المقابل، تظهر نماذج نجحت لأنها فهمت قاعدة بسيطة: الثقة لا تسبق المعرفة، بل تأتي بعدها.. في تجارب مثل الإمارات العربية المتحدة، وتحديداً دبي، لم يُنظر إلى السؤال بوصفه ضعفاً، ولا إلى الاستشارة باعتبارها تهديداً. بل أصبح التعلم المستمر جزءاً من القرار، والاختلاف مدخلاً لتحسين السياسات، لا عائقاً أمامها.
القيادة في هذا النموذج لا تعني ادعاء المعرفة الكاملة، بل القدرة على الإصغاء، والاستفادة من الخبرات، وتحديث الرأي عند ظهور معطيات جديدة. القائد الحقيقي لا يخشى أن يقول «لا أعلم بعد»، لأنه يعلم أن هذه الجملة هي بداية الطريق نحو قرار أفضل.
وهنا تبرز حقيقة لا بد من قولها بوضوح: ليس كل واثق خبيراً، لكن كل خبير حقيقي متواضع.
المشكلة ليست في الثقة، بل في الثقة التي لا تستند إلى معرفة. وليست في الجرأة، بل في الجرأة التي تسبق الفهم.
الواثقون زيفاً لا يخطئون، لأنهم يجهلون فقط، بل لأنهم يرفضون الاعتراف بأن لديهم ما يتعلمونه.