حين تهيأ العقول لخطاب التطرف

الدين حاجة ضرورية للإنسان، لا يختفي من المجتمعات، بل يعيد تشكيل نفسه وفق شروط المجتمع والسلطة والاقتصاد، غير أن الإشكال في السياق العربي لا يتمثل في حضور الدين، بل في كيفية تمثله اجتماعياً، وفي غياب النقد الموضوعي للموازنة بين مقولات الإفتاء وحاجات المجتمع. هذه العلاقة تناقش غالباً من موقع دفاعي يقدس القول، أو من موقع هجومي يحمل الدين كل أزمات المجتمع، بينما يغيب التحليل، الذي يفرق بين الدين كونه نصاً وقيماً إنسانية عظيمة، والتدين كونه ممارسة بشرية تاريخية.

في الثقافة العربية، لم يتحول الدين إلى موضوع معرفة اجتماعية، بل بقي محاطاً بهالة تمنع التفاعل معه، بوصفه ظاهرة تشترك مع السياسة والاقتصاد والبنية الاجتماعية. هذا الخلط بين المقدس الإيماني، والتجربة البشرية، جعل أي تفسير يفهم باعتباره طعناً في الدين ذاته لا تفكيكاً لطريقة تمثله أو توظيفه، وهنا تتكون سردية سلبية مريحة، تبرئ المجتمع من مسؤولية المراجعة، وتحول الإشكال المعرفي إلى صراع أخلاقي.

أحد أهم مظاهر هذا الخلل هو عدم فهم دقيق لمصطلحي «الفقيه» و«عالم الدين». الفقيه في التراث الإسلامي مجتهد بشري يعمل في منطقة الظن، يقدم رأياً مرتبطاً بسياقه، قابلاً للأخذ والرد، أما عالم الدين فهو ناقل للمعرفة، وشارح للمدونة، وليس صانعاً للحقيقة النهائية، غير أن الثقافة العامة دمجت المفهومين في صورة واحدة، ومنحت الرأي الفقهي سلطة القطع، وكأن الاجتهاد حكم إلهي لا يراجع.

هذا الدمج أنتج ظاهرة خطيرة؛ تحويل الرأي إلى عقيدة، والاجتهاد إلى يقين، والفتوى إلى سيف رمزي، ومن هنا ظهرت أحكام من قبيل تحريم الموسيقى، أو السماح للتحرش بالمرأة السافرة، أو إخراج من يقف احتراماً للسلام الوطني من الملة، أو وصم سلوكيات اجتماعية كمصافحة المرأة بالكفر أو الانحراف. هذه الأحكام لا تقوم على نصوص قطعية الدلالة، بل على قراءات بشرية جزئية، لكنها تقدم للجمهور باعتبارها «حكم الدين»، فيغلق باب النقاش، ويشيطن الاختلاف.

المشكلة ليست في وجود آراء فقهية متشددة، فذلك جزء من تاريخ الفكر الديني في كل الثقافات، بل في غياب الأدوات المعرفية لدى المجتمع للتمييز بين القطعي والظني، وبين المقاصد وظاهر النص، وبين النص وتأويله، وبدل أن ينظر إلى الفقه بوصفه مجالاً للتعدد والاجتهاد، يختزل في صوت واحد مرتفع، غالباً ما يكون الأكثر حدة لا الأكثر عمقاً.

هذا الخلط يغذي سردية سلبية عن العلاقة بين الدين والمجتمع، فحين يختزل الدين في فتاوى المنع والتكفير الرمزي، يبدو وكأنه في صدام دائم مع الفنون، والرموز الوطنية، والحياة الحديثة، وفي المقابل يقدم هذا الصدام بوصفه «الدين الصحيح»، ويتهم أي خطاب عقلاني بالتفريط أو التمييع، هكذا يخسر الدين عمقه الأخلاقي، ويخسر المجتمع قدرته على النقاش الهادئ.

ولا يمكن تجاهل أن هذا النمط يخدم سلطة القمع في الإسلام الحركي، فالقول القاطع أسهل في التوظيف والتجنيد، من الاجتهاد المفتوح، والفتوى الجازمة أداة ضبط اجتماعي أنجع من الحوار، كما تجد بعض التيارات في هذا الخلط وسيلة للهيمنة الرمزية، إذ يتحول الرأي الفقهي إلى معيار ولاء لا إلى اجتهاد معرفي.

غياب النقد الموضوعي لهذه العلاقة لا يحمي الدين، بل يضعفه، فالدين الذي لا يفرق فيه بين المطلق والنسبي، وبين النص والتاريخ، يتحول من مورد معنى وقيم إلى أداة صراع وانقسام. النقد هنا لا يعني نزع القداسة، بل تحرير النقاش، وإعادة الاعتبار للاجتهاد بوصفه جهداً بشرياً مسؤولاً.

إن إعادة بناء العلاقة بين الدين والمجتمع في السياق العربي تبدأ من استعادة هذا التمييز الجوهري: ليس كل من تكلم في الدين يقطع، وليس كل رأي ديني حكماً نهائياً. حين يعاد الاعتبار للتعدد والسياق، يمكن للدين أن يستعيد دوره قوة أخلاقية جامعة، لا سلسلة أوامر مغلقة، توظفها التيارات السياسية لأغراضها.