تشهد المرحلة الراهنة تحولات اقتصادية وجيوسياسية وتكنولوجية غير مسبوقة، تعيد صياغة أولويات الحكومات وتفرض نماذج جديدة لإدارة السياسات المالية، حيث تشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن مستويات عدم اليقين العالمي عادت إلى أعلى نطاقاتها منذ جائحة كورونا، وهو ما انعكس مباشرة على كلفة التمويل، وتوقيت القرارات الاستثمارية، ما يضع السياسات المالية أمام اختبار حقيقي للمرونة، ففي عالم تتسارع فيه المتغيرات، لم تعد المالية العامة مجرد أداة لإدارة الإيرادات والإنفاق، بل أصبحت ركيزة استراتيجية لبناء المرونة الاقتصادية وتعزيز القدرة على التكيف مع التحديات وتحفيز النمو المستدام.
من هذا المنطلق، تأتي المشاركة في القمة العالمية للحكومات كمنصة حيوية لإعادة التفكير في دور السياسات المالية في عصر التحولات.
فالقمة لا تمثل مجرد تجمع دولي، بل مساحة لصياغة رؤى مشتركة حول مستقبل الإدارة الحكومية، وربط الابتكار المؤسسي بالسياسات الاقتصادية، وتعزيز التعاون الدولي في مواجهة تحديات تتجاوز الحدود الوطنية.
إن الاقتصادات تواجه بيئة عالمية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين، وتغير أنماط التجارة، وتسارع التحول الرقمي، فعلى سبيل المثال أشار صندوق النقد الدولي في يناير 2026 إلى أن النمو العالمي من المتوقع أن يستقر عند 3.3% لعام 2026، مع الإشارة إلى أن الاستثمارات في قطاعي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي هي المحرك الرئيسي لهذا الصمود، وعلى الصعيد الإقليمي فإن منطقة الخليج العربي مهيأة لنمو قوي يصل إلى 4.5% في 2026، مدفوعة بتسارع الأنشطة غير النفطية والتحول الهيكلي، ومع ذلك فإن هذا الواقع يتطلب سياسات مالية أكثر استباقية ومرونة، قادرة على تحقيق التوازن بين الاستقرار المالي وتحفيز الاستثمار التنموي.
فبناء المرونة الاقتصادية الكلية لا يتحقق عبر إجراءات قصيرة الأجل، بل من خلال إصلاحات هيكلية تعزز كفاءة الإنفاق، وتطور أدوات إدارة الدين، وتوسع قاعدة الإيرادات، بما يدعم الثقة في الاقتصاد ويهيئ بيئة جاذبة للاستثمار، وقد أكدت الحوارات المالية الإقليمية والدولية أهمية هذا المسار كشرط أساسي للاستدامة الاقتصادية.
وفي قلب هذا التحول يبرز الدور المتنامي للتكنولوجيا، فالذكاء الاصطناعي والحلول الرقمية لم تعد أدوات تشغيلية فحسب، بل أصبحت عناصر استراتيجية لتحسين جودة السياسات المالية، وتعزيز الشفافية، ورفع كفاءة إدارة الموارد العامة، بالإضافة إلى دورها الإيجابي في دعم النمو الاقتصادي العالمي، حيث يقدر صندوق النقد الدولي أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع النمو العالمي من 0.1% إلى 0.5% سنوياً على المدى المتوسط.
إن توظيف التقنيات المتقدمة ضمن أطر حوكمة متوازنة يفتح آفاقاً واسعة أمام الحكومات لتقديم خدمات أكثر كفاءة، وإدارة المخاطر بشكل أفضل، ودعم اتخاذ القرار القائم على البيانات.
كما أن تعزيز الشراكات الدولية يمثل محوراً رئيسياً في تطوير السياسات المالية الحديثة، فالتحديات الاقتصادية العالمية، من تقلبات الأسواق إلى متطلبات تمويل التنمية، تتطلب تنسيقاً أعمق بين الدول والمؤسسات المالية.
وتؤكد التجارب أن تبادل الخبرات وبناء شبكات تعاون فعالة يسهمان في تعزيز الاستقرار المالي، خصوصاً في الاقتصادات التي تسعى إلى تنويع مصادر النمو وتوسيع قاعدة الاستثمار، كما أن التنسيق المالي الإقليمي يساعد على تسريع تمويل مشاريع البنية التحتية وتحسين إدارة الصدمات، وقد شكلت جلسات القمة منصة مهمة لمناقشة هذا التكامل، سواء على المستوى الخليجي أم العربي أم الدولي، بما يعكس أهمية الانتقال من التنسيق إلى الشراكات المؤسسية طويلة الأجل.
وقد باتت القمة في دوراتها الأخيرة منصة لمناقشة تنسيق السياسات الكلية، وهو أمر ضروري حيث لا تستطيع السياسة النقدية أو المالية وحدها إدارة حالات عدم اليقين والآثار الاقتصادية المترتبة على ذلك.
كما أن تمويل التنمية يمثل بدوره محوراً أساسياً في حوارات القمة، فالاستثمار في البنية التحتية، ورأس المال البشري، والتحول الرقمي، يتطلب أدوات تمويل مبتكرة وشراكات فعالة بين القطاعين العام والخاص، وهنا تبرز أهمية تطوير أطر مالية مرنة قادرة على توجيه الموارد نحو القطاعات ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي المستدام، مع الحفاظ على الاستقرار المالي.
وتؤكد تجربة دولة الإمارات أن السياسات المالية المتوازنة، التي تجمع بين الانضباط المالي والمرونة الاستثمارية، قادرة على خلق بيئة اقتصادية تنافسية تدعم الابتكار والنمو.
ومن خلال المساهمة الفاعلة في الحوارات الدولية، تسعى الدولة إلى المساهمة في صياغة نموذج مالي يعكس متطلبات المستقبل، ويركز على الاستدامة، والحوكمة، والتكامل الاقتصادي.
وفي هذا الصدد، تعطي حكومة الإمارات الأولوية لضمان استقرار بيئة الأعمال، كما تعمل على تعزيز ثقة المستثمرين من خلال سياسات واضحة وشفافة، ما نتج عنه الأداء المتميز للدولة في الاستثمار الأجنبي المباشر، ووفقاً لأحدث بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، وصلت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لدى الدولة إلى 45.6 مليار دولار أمريكي غير مسبوقة في عام 2024، مؤمنة مكانتها العاشرة عالمياً من حيث استقبال الاستثمارات الأجنبية المباشرة بعد أن كانت في المركز الحادي عشر في عام 2023.
ومن المهم الإشارة للتصنيف الائتماني السيادي القوي للدولة، حيث حافظت الإمارات على تصنيفها الائتماني السيادي المرتفع من قبل وكالات «ستاندرد آند بورز»، و«فيتش»، و«موديز» مع نظرة مستقبلية مستقرة، ويعكس هذا الإجماع من وكالات التصنيف العالمية الثلاث الثقة في المركز المالي القوي للدولة وجهودها المستمرة في تنويع الاقتصاد.
وأخيراً، فإن مستقبل السياسات المالية لن يقاس فقط بقدرتها على إدارة الأرقام، بل بمدى إسهامها في بناء اقتصادات ومؤسسات أكثر كفاءة، ومجتمعات أكثر ازدهاراً.
وفي عالم سريع التغير، تصبح المرونة المالية والابتكار المؤسسي والتعاون الدولي عناصر لا غنى عنها لضمان استدامة النمو.
إن القمة العالمية للحكومات تؤكد أن السياسات المالية ليست مجرد أدوات تقنية، بل خيارات استراتيجية ترسم ملامح المستقبل، وإن مستقبل الحكومات سيكون دائماً رهناً بقدرتها على التكيف، والابتكار، والعمل المشترك.