التعليم بوصفه استثماراً استراتيجياً: حوكمة المناهج في الإمارات

في الدول التي تفكر بالمستقبل بجدية، لا يترك التعليم للمصادفة، ولا تدار المناهج بوصفها مواد دراسية فقط، بل باعتبارها مشروعاً وطنياً طويل الأمد. فالمناهج التعليمية ليست صفحات في كتاب، بل منظومة أفكار وقيم ومهارات تشكل وعي الإنسان، وتؤثر في خياراته، وتحدد قدرته على الإسهام في مجتمعه واقتصاده. ومن هنا، تبرز الحوكمة كضرورة تنظيمية وفكرية تضمن أن يسير التعليم في الاتجاه الصحيح، وبالإيقاع المناسب، وبالعمق المطلوب.

الحوكمة، في جوهرها، تعني وضوح الأدوار، وانضباط القرار، وربط المسؤولية بالأثر، وضمان أن كل خطوة تتخذ تستند إلى رؤية، وتخضع للمساءلة، وتخدم هدفاً أعلى. وعندما تطبق الحوكمة في مجال التعليم، فإنها تحمي المناهج من الارتجال، وتمنحها الاستقرار دون الجمود، وتفتح باب التطوير دون فقدان البوصلة.

من هذا المنطلق، يأتي المرسوم الاتحادي رقم 30 لسنة 2025 بشأن حوكمة المنهاج التعليمية الوطنية في دولة الإمارات كخطوة نوعية تعكس وعياً عميقاً بحساسية هذا القطاع. فهو لا ينظم عملية إعداد المناهج فحسب، بل يؤسس إطاراً تشريعياً متكاملاً يحدد الأطر الحاكمة، ويضبط مسارات التغيير، ويضمن اتساق المحتوى التعليمي مع الغايات الوطنية للتعليم، ومع الهوية والقيم المجتمعية، ومع متطلبات المستقبل وسوق العمل. وتأكيداً على أهمية التعليم في دولة الإمارات، ودوره المحوري في تنميتها وتقدمها وبناء أجيالها ومجتمعها والإسهام في نهضتها الحضارية؛ فقد وجه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، باعتماد الـ28 من شهر فبراير من كل عام «اليوم الإماراتي للتعليم».

أهمية حوكمة المناهج تكمن في أنها تحول التعليم من سلسلة مبادرات متفرقة إلى منظومة متماسكة. فبدل أن تكون التعديلات ردود أفعال متسرعة أو اجتهادات جزئية، تصبح عملية التطوير مبنية على دراسات، وتجريب ميداني، وتقييم أثر، ومشاركة مؤسسية واضحة. وهذا ما يمنع التناقض بين المراحل الدراسية، ويعزز جودة المخرجات التعليمية، ويسهم في إعداد طلبة يمتلكون المعرفة والمهارة والاتزان القيمي.

في المقابل، فإن غياب الحوكمة عن المناهج التعليمية قد يقود إلى فقدان الاتجاه، وتعدد الأطر، وتذبذب المحتوى، ما ينعكس سلباً على ثقة المجتمع في النظام التعليمي، وعلى قدرة الخريجين على الاندماج الفعال في الحياة العملية.

ما يميز التجربة الإماراتية أنها لم تنظر إلى الحوكمة بوصفها أداة ضبط فقط، بل باعتبارها أداة تمكين. فقد فتحت المجال لتقديم المقترحات، وشجعت المشاركة، وحددت مسارات واضحة للتغيير، مع الحفاظ على إطار أعلى يتمثل في الميثاق الوطني للتعليم. إنها مقاربة تجمع بين الحزم والمرونة، وبين الثبات والتجديد.

إن انعكاسات هذه الخطوة تتجاوز المدارس والفصول الدراسية، لتطال مستقبل الدولة نفسها. فبناء الإنسان على أسس تعليمية محكومة يعني الاستثمار في الاستدامة، والابتكار، والتنافسية العالمية. كما تقدم دولة الإمارات نموذجاً متقدماً يفسح المجال أمام الدول الأخرى للاستفادة منه، نموذج يؤكد أن التعليم لا يدار بالعاطفة أو الاجتهاد الفردي، بل بعقل الدولة، وبمنهجية تستشرف المستقبل وتحسِن الاستعداد له.

ختاماً، نود أن نستشهد بما قاله صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في «تدوينة» نشرها سموه بتاريخ 24 يناير 2026، عبر حسابه على منصة «إكس»، بمناسبة «اليوم العالمي للتعليم»، الذي يصادف 24 يناير من كل عام: «التعليم ركيزة أساسية في رؤية الإمارات للمستقبل. وفي «اليوم الدولي للتعليم» نجدد التزامنا بمواصلة تعزيز منظومة تعليمية عصرية ترسخ هويتنا وقيمنا وتخدم أولوياتنا التنموية وتفتح أمام شبابنا آفاق التميز والإبداع والابتكار ليكونوا شركاء فاعلين في بناء مستقبل الوطن وتعزيز مكانته في ميادين المعرفة والتكنولوجيا الحديثة والتنافسية».