في قلب كل شاعر شجاع صفتان راسختان: الرقة والشجاعة، ومن اجتماع هاتين الصفتين تكون ثمرة الوفاء، الوفاء بمعناه الأخلاقي العميق، الذي يستوعب كل تفاصيل الحياة من الوفاء للوالدين والأشقاء والأصدقاء رفاق المسيرة، لكنه يتجلى في أروع صوره في الوفاء لرفيقة الدرب وسند الطريق ووالدة الرجال الفرسان، وهو ما تجلى واضحاً اليوم في واحدة من أصدق صور الوفاء حين كتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، تدوينة ثمينة على حسابه الشخصي احتفى فيها برفيقة دربه ووالدة أنجاله الشيخة هند بنت مكتوم بن جمعة آل مكتوم، بمناسبة عيد ميلادها الميمون تعبيراً عن روح الوفاء والمحبة لهذه السيدة الجليلة، التي عاشت معه جميع سنوات العمر بكل ما فيها من مباهج وتحديات، وكانت عوناً له في مسيرته المظفرة في بناء الوطن والإنسان، وأنجبت له السادة الفرسان، فاحتلت مكانتها الكبرى في قلب سموه، وما زال فخوراً بهذا الزواج السعيد، الذي استوعب حياته بكل ما فيها من أول البدايات إلى مسك الختام.
كانت تدوينة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مصحوبة بمقطع شعري من شعر سموه في غاية الجمال والروعة يحكي قصة ذلك اللقاء الذي جمع بين هذين القلبين، فضلاً عما صاحب المقطع من تمهيد يوثق لحظة تاريخية، حضرت فيها المصورة إيف أرنولد إلى دبي لتصوير فيلم وثائقي بعنوان «خلف الحجاب»، حيث ظهرت في هذا الفيلم لقطات من طفولة الشيخة هند بنت مكتوم آل مكتوم، لينطلق صوت صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وهو يتغنى بجمال تلك اللحظة التاريخية التي جمعته بالشيخة هند حيث يقول:
أسمع صدى صوتك مع ضجة الناس
والحس يسري للضماير حسوسي
أنسى معاك العزم والفكر والياس
وحبك بقلبي للضمير إمغروسي
ففي هذين البيتين الرائقين يصغي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إلى صدى الذكريات حين يميز ببصيرة قلبه صوت رفيقة دربه رغم كل هذا الضجيج الذي تموج به حياة الناس، لكن للقلب سمعاً خاصاً به يعرف به أدنى إحساس من مشاعر الرفيق الذي اختاره القلب، حيث يسري حبه إلى الضمير الذي هو مستودع المشاعر الصادقة، وينسى معه سموه كل ما يشغل البال من مظاهر الحياة الصعبة، ويعيش بقلبه في هذه الأجواء التي تتجذر فيها المحبة كشجرة مغروسة في تربة القلب الذي لا يعرف إلا الحب والوفاء.
أسفرت وأنورت بعد طول الظلام
بك حياتي وشفتك شمسها وبدرها
بين وعر المسالك واشتداد الزحام
في هجير الصحاري ساعرٍ حرها
كنت أنتِ البداية واستويتي الختام
وعفت قبلك حياتي حلوها ومرها
في هذه الأبيات التي اختارها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد على قافية أخرى يتجلى عمق الإحساس بقيمة هذا اللقاء الذي جمع بينه وبين الشيخة هند بنت مكتوم آل مكتوم، حيث شبه تلك اللحظة بانبثاق النور الذي يبدد الظلام، وطلوع شمس الحياة وقمر الليل على حياة هذا الفارس المنذور لخدمة الوطن، ويحتاج إلى رفيقة درب من بنات الأصل والطيب من اللواتي يحفظن العهد ويصبرن على مشقات الطريق، فكانت الشيخة هند هي التي سارت مع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في المسالك الوعرة وفي الأوقات العصيبة، حيث لا يثبت إلا أهل الوفاء في قلب هذه الصحراء اللاهبة، حيث يختبر معدن الإنسان، وتكشف الأيام عن أصالته ونبله، فكانت الشيخة هند هي البداية الموفقة التي رافقت هذا الفارس، وظلت هي مسك الختام بعد هذه الرحلة الطويلة الجميلة في رعاية أسرة الوطن الكبيرة وأسرة البيت الصغيرة، فلأجل ذلك كان لها هذه المنزلة العليا في قلب صاحب السمو، والتي لا ينازعها عليها أحد حين جعلت حياة سموه مملوءة بالسعادة والعطاء وثمرات العمر المبارك الميمون.
وفي موازاة هذه الأبيات الفواحة برائحة الصدق والوفاء كتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد كلمة مفعمة بالحب احتفاء بهذا اليوم الجميل من أيام عمره حيث قال: «في يوم ميلادكِ كل عام وأنتِ أجمل أيامي، كل عام وأنتِ نبض سعادتي وسلامي، كل عام وأنتِ رفيقة دربي وصديقة عمري»، لتكون هذه الكلمات التي تقترب من جمال الشعر بما تنطوي عليه من هذه العاطفة الرقيقة هي خير تعبير عن الوفاء النادر الذي يسكن قلب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لهذه السيدة الجليلة وليختم سموه التدوينة بقوله: «دعواتي أن يحفظكِ الله، وأن يديم عينيكِ وطناً للبراءة والحلم والحياة، ويديم قلبكِ وطناً لي أشتاق إليه كل يوم»، ليظل رنين الذكريات هو الأعلى في ظلال هذه المناسبة السعيدة لإنسانة قليل أن يقال في حقها: إنها نورُ دبي.