في هذه القصة الرمزية من كتاب الذكاء الفائق للفيلسوف السويدي بوستروم، يتناول المؤلف علاقتنا نحن البشر بالذكاء الاصطناعي، وفي هذه العلاقة، يمثل البشر مجتمع العصافير، وتمثل البومة الذكاء الاصطناعي.
وبعد أن تحدثنا عن ضرورة الابتكار، ثم انتقلنا إلى المبادرات التطبيقية التي تقود هذا التحول، نصل اليوم إلى موضوع أكثر عمقاً وجرأة: الذكاء الفائق. وهنا لسنا أمام تطور تدريجي أو تحسين تقني، بل أمام قفزة نوعية قد تعيد تشكيل علاقة الإنسان بمعرفته وبمستقبله.
ذلك أن الذكاء الاصطناعي، وتحديداً الذكاء الفائق، ليس نسخة محسّنة من التكنولوجيا التي نستخدمها اليوم، وليس تحسيناً لشريحة إلكترونية أو زيادة في سرعة معالجة المعلومات. عند هذه المرحلة، نحن أمام احتمال ظهور عقل يفوق القدرات البشرية في الفهم، والتعلم، واتخاذ القرار، وتحليل الاحتمالات، وإنتاج المعرفة. والسؤال لم يعد: هل سنطوّر هذا الذكاء؟ بل أصبح: هل سنتمكن من التعامل معه؟
ومع كل خطوة نقترب فيها من تطويره، نصبح أقرب إلى لحظة الحقيقة: هل نصنع أداة تحت سيطرتنا، أم نصنع كياناً يتجاوز سيطرتنا؟
وما يريد أن يقوله المؤلف إن التكنولوجيا تتقدم بسرعة، لكن الحكمة لا تتقدم بالسرعة نفسها. إذن كلما زادت قدرة الآلة، زادت مسؤولية الإنسان في كيفية توجيهها.
ولذلك، فإن الجامعات اليوم لم تعد مطالبة بتدريس المهارات التقليدية فقط، بل بتعليم التفكير النقدي، والوعي، والقدرة على اتخاذ القرار الأخلاقي.
فإذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع أن ينتج آلاف الصفحات في دقائق، فإن الإنسان وحده من يستطيع أن يمنح هذه الصفحات معنى وقيمة وغاية.
لذلك أقول إن الجامعات ليست مكاناً لتعليم المهارات فحسب، بل لتعليم كيفية استخدام المعرفة والتكنولوجيا بمسؤولية. فإذا كانت الآلة تعرف، فإن الإنسان يجب أن يفكر. وإذا كانت الآلة تحلل، فإن الإنسان يجب أن يقرر.
وهنا يكمن جوهر القضية: الجامعات والأنظمة التعليمية التي تستوعب هذه القفزة هي التي ستقود العالم، أما التي تتجاهلها، فستتحول إلى متاحف.