حتى في بيئات المكاتب، يُمارس شيء من «التنمّر الإداري» بين المدير وأحد مرؤوسيه. التنمّر ظاهرة عدوانية تُمارس على مستضعف، وهي ليست ردة فعل، ولكنها سلوك شبه مستمر يحاول به فرد صبّ جام غضبه أو حنقه على من حوله. يطلق عليها بالإنجليزية bullying، وهي مشهورة في المدارس، إذ يُستخدم فيها العنف البدني. لكن في أروقة العمل يصعب أن يمد المدير يده على زملائه.
غير أن التنمّر يُستخدم في العمل عبر إساءات لفظية تسبب جرحاً غائراً في نفوس المتضررين، وقد يتطرف البعض ويتخطى الحواجز إلى تحرّش جنسي أو تمييز عنصري، ليقينه بأن أحداً لن ينبس ببنت شفة.
وتتجلى أقبح صور التنمّر عندما يفتعل المدير تلاسناً لفظياً مع مرؤوس يثير حفيظته، لينتقم منه أمام زملائه.
معضلة «تنمّر المديرين» أنها تنشأ أو تتفاقم عندما لا يوقف المرؤوس مديره عند حده. فسكوته على التجريح اللفظي أو قبوله لوابل الشتائم موافقة ضمنية على تقبل مزيد الإساءة.
ويظهر التنمر أيضاً حينما لا يستوعب المرؤوسون الفارق بين «طلبات» المدير و«أوامره» و«تعليماته» و«توجيهاته». فلدينا في علم الإدارة فروق واضحة بين هذه المصطلحات الرئيسة في التعامل المهني.
فعندما «يأمر» مدير موظفاً ما، فإنه يمارس سلطته الرسمية، كما هو متعارف عليه، وعلى المرؤوس الامتثال للأوامر بالطاعة لهذا الأمر الشفهي الصادر عن مديره، فيحسن الإصغاء، ليدرك من نبرة صوت المسؤول ومفرداته بأنه يأمر، مثل قوله «لا تفعل كذا مرة أخرى أمام العملاء أو وسائل الإعلام». هذا ما يسمى بالأوامر Orders/Commands. وهناك أيضاً التعليمات instructions، وهي قريبة من الأوامر وكلتا الحالتين تأتي مكتوبة أحياناً.
أما «التوجيهات» directions و«الطلبات» requests فهما أقل إلزاماً، ولكن يبقى الاستماع إليهما أمراً مستحباً، لكنه لا يرقى إلى منزلة «الأوامر والتعليمات» الإدارية الملزمة، اللتين كثيراً ما يغفل الموظفون عن أهمية الامتثال لهما على نتائج أعمالهم بصورة عامة، ومزاج المدير بصورة خاصة.
وتنشأ مشكلة التنمّر حينما يطبّق المرؤوس الطلبات والتوجيهات (غير الملزمة) بحذافيرها، ويشعر مديره بأنه يطبّقها كأنها أوامر أو تعليمات مكتوبة. مع مرور الوقت يمحق الموظف شخصيته وقيمته المضافة، فيشعر مديره بأنه مجرّد منفذ لكل ما يقوله المدير، وأي خروج عن ذلك قد يعرّض الموظف للتوبيخ، لكونه هو من رسم هذه الصورة عنه في ذهن مسؤوله.
وتبقى دوافع التنمّر الإداري كثيرة، لكن مهما تحلّى المرؤوس بالمهنية والتفاني، فإن شخصية المدير وعدوانيته قد تجعله عرضة لنوبات «تنمّره». وفي جميع الأحوال يُعدّ سكوت الناس عن تطاول المدير اللفظي عليهم سبباً من أسباب تعزيز سلوكه المتمرد الذي ربما يخفي خلفه سوء خلقه أو ضعفه المهني، فهو لا يستطيع أن يحاور ويوبّخ بمهنية.
وفي الوقت المناسب، وهذا ما يجعله طارداً لمن حوله. وإذا تكرّر ذلك، فإن الكرة أصبحت في ملعب الإدارة العليا التي يجب أن توقفه عند حدّه، حتى لا تتسرّب الكفاءات من المؤسسة، ويبقى فيها «المتردّية والنطيحة» إن جاز التعبير.
القيادة ليست استعراض عضلات، بل اختبار أخلاق. وكل سلطة لا يضبطها وازع مهني وإنساني، تتحول من أداة بناء إلى معول هدم. والمنظمات التي تحمي كرامة موظفيها تحافظ على أجواء المهنية فيها، أما التي تتساهل مع التنمّر، فهي تسهم في جعل مناخ العمل طارداً للكفاءات.