قد لا تحظى التجارة دائماً بالاهتمام الإعلامي الذي تستحقه، فحركة السلع والخدمات بين الدول، تُعد جزءاً بديهياً وضرورياً من الاقتصاد العالمي، ولا تتصدر العناوين إلا عندما تتعطل أو تتباطأ إلى حد يؤثر سلباً في المستهلكين والتجار والمصنّعين.
وقد شهد العالم مثل هذه الحالات في مناسبات محدودة خلال العقود الثلاثة الماضية، من الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينيات، إلى الأزمة المالية العالمية بعد ذلك بعقد، وصولاً إلى اضطرابات سلاسل الإمداد خلال جائحة كوفيد19 منذ عام 2020.
والتي نجم عنها جميعاً تراجعاً في حركة التجارة العالمية بنسبة لا تقل عن 10%، مذكّرةً العالم بأن نمط حياتنا الحديث يعتمد على موارد ومنتجات تأتي من خارج الحدود.
وعلى الرغم من أن 2025 لم يصل إلى هذا المستوى من الاضطرابات، إلا أنه شهد تصاعداً في التوترات التجارية، مع فرض رسوم جمركية جديدة، واندلاع نزاعات تجارية بين أسواق رئيسة. ووفقاً لمنظمة التجارة العالمية، بلغت قيمة الواردات المتأثرة بتلك الرسوم بين أكتوبر 2024 وأكتوبر 2025، نحو 2.64 تريليون دولار، أي أربعة أضعاف، مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله منذ أكثر من 15 عاماً.
وفي الوقت ذاته، أسهمت التحديات التي واجهت حركة الملاحة عبر قناتي السويس وبنما، لأسباب إقليمية مختلفة، في اضطرار الشحن البحري إلى سلوك مسارات أطول وأكثر كلفة، ما زاد من الضغط على النظام التجاري العالمي. وبالنسبة لدول تجارية مثل الإمارات، التي جعلت من انسيابية حركة السلع عبر موانئها ركناً أساسياً لقوتها الاقتصادية، لم تكن هذه الظروف العالمية هي الأكثر ملاءمة.
ومع ذلك، وبجميع المقاييس، كان 2025 من بين الأكثر نجاحاً في تاريخ التجارة الخارجية لدولة الإمارات. فلم نكتفِ بتجاوز التحديات، بل ارتقينا فوقها، وحولناها إلى فرص للنمو والتوسع، مستندين إلى رؤية قيادتنا بالمزيد من الانفتاح على العالم تجارياً واستثمارياً، وسياساتنا المدروسة، والشراكات الفاعلة، وطموح قوي لدى القطاع الخاص، لنحقق أرقاماً قياسية في مختلف فئات التجارة غير النفطية، ونرسخ مكانة الدولة في قلب الاقتصاد العالمي.
ففي نهاية 2025، بلغت قيمة التجارة الخارجية غير النفطية لدولة الإمارات 3.8 تريليونات درهم (أي ما يزيد قليلاً على تريليون دولار)، بنمو يقارب 27%، مقارنة بعام 2024، ما يعني أننا حققنا 95% من مستهدف الـ 4 تريليونات درهم، الذي كان مخططاً الوصول إليه بحلول عام 2031، أي قبل الموعد بست سنوات كاملة.
والأهم من ذلك، أن الصادرات غير النفطية تخطت مستهدفات عام 2031، وسجلت 813 مليار درهم بنهاية 2025، بنمو قياسي غير مسبوق، ناهز 45% مقارنة بعام 2024، وبقيمة تتخطى ثلاثة أضعاف صادرات عام 2019 بكامله. كما ارتفعت مساهمة الصادرات غير النفطية إلى 21.7% من إجمالي التجارة غير النفطية، وهي أعلى نسبة يتم تسجيلها على الإطلاق، ودليل واضح على تطور الإنتاجية والتنافسية في القطاع الصناعي الوطني.
ويعود جزء كبير من هذا الإنجاز إلى برنامج اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA)، الذي أطلقته الدولة في سبتمبر 2022. حيث دخلت خلال عام 2025 اتفاقيات الشراكة مع أستراليا، وماليزيا، ونيوزيلندا، والأردن، وصربيا، وكوستاريكا، وتشيلي، وموريشيوس حيّز التنفيذ، ما وسّع قاعدة الأسواق المتاحة أمام المصدّرين الإماراتيين، وعزّز سلاسل الإمداد بين الدولة، وكل من أمريكا الجنوبية ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ.
كما واصلت الدولة توسيع شبكة الاتفاقيات، حيث تم خلال عام 2025 توقيع اتفاقيات مع أوكرانيا وأذربيجان ودول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، بما في ذلك روسيا، إلى جانب عدد من الدول الأفريقية الغنية بالموارد، مثل أنغولا، والكونغو برازافيل، وأفريقيا الوسطى، وكينيا، ما يفتح آفاقاً واسعة في قطاعات استراتيجية تشمل الزراعة والطاقة المتجددة والتعدين والخدمات اللوجستية.
وهكذا، تحوّل عام بدأ بالتحديات، إلى عام أعاد رسم مشهد التجارة العالمية، مدفوعاً بتشكّل تكتلات وشبكات تجارية جديدة. وأكدت بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، أن التجارة العالمية مرشحة لبلوغ 35 تريليون دولار أمريكي بنهاية عام 2025، وهو أعلى مستوى في التاريخ، مدفوعة بنمو التجارة الإقليمية في آسيا، وزيادة الطلب من القارة الأفريقية، مع توسع تجارة الجنوب - الجنوب بنسبة 8%.
وهذا هو الاتجاه الجديد للتجارة، وللاقتصاد العالمي ككل. وبرؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، ودعمه المستمر، ستواصل دولة الإمارات أداء دور محوري في قيادة هذا التحول.
بالنسبة لدولة الإمارات، لا تقتصر التجارة على حركة البضائع، بل تمثل جسوراً للتواصل، وشراكات عالمية، تفتح آفاقاً جديدة للمصنّعين ومقدمي الخدمات والمستثمرين. فهي محرّك رئيس لتعزيز الإنتاج الصناعي، ورفع التنافسية، ودفع الابتكار، ودعم التنويع الاقتصادي، ليس لدولة الإمارات فحسب، بل للاقتصادات الطموحة والناشئة حول العالم.
ومن هذا المنطلق، تواصل الدولة دعم التجارة الحرة والحلول متعددة الأطراف لتحديات سلاسل الإمداد، إدراكاً لدورها في تحفيز النمو.
وفي سبتمبر 2025، كانت دولة الإمارات من الأعضاء المؤسسين لمبادرة الشراكة المستقبلية للاستثمار والتجارة (FIT-P)، وهي منصة مرنة تهدف إلى تطوير سياسات تجارية حديثة، تعزز التنمية، وتسهّل الاستثمار، وتوفر فرص عمل نوعية، وقد تم الاتفاق خلال الاجتماع الأول في سنغافورة على أجندة تركّز على تبنّي التكنولوجيا، والدفاع عن التجارة الحرة.
وكان عام 2025 أيضاً عاماً مفصلياً، بإعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، إنشاء وزارة التجارة الخارجية، في تأكيد واضح على أن التجارة ركيزة أساسية للنمو الوطني، وجسر دبلوماسي فاعل مع الدول ذات التوجهات التنموية المشتركة.
وإذا كانت مؤشرات الأداء الأساسية تتمثل في حجم التجارة واتفاقيات الشراكة، فإن الناتج المحلي الإجمالي يبقى المقياس النهائي للنجاح. وما علمتنا إياه تجربة دولة الإمارات طوال أكثر من خمسة عقود، أن التجارة ليست عنصراً من عناصر الأداء الاقتصادي فحسب، بل هي المحرّك الأساسي له، وكان عام 2025 خير شاهد على ذلك، والقادم أفضل بإذن الله.