لم تبقَ جسور لِتُحرَق!

عام 490 ق.م. هُزم الفرس أمام اليونان في معركة ماراثون في عهد داريوس الأول، فحمل ابنه خشايارشا الأول مهمة غسل ذاك العار، وبحسب المؤرخ هيرودوت، فقد أمر بمد جسور «عائمة» عند مضيق الدردنيل، فهبت عاصفة قطّعت الحبال ونثرت الألواح.

فجُن جنون الملك الطائش وأمر أن يُجلَد المضيق المائي 300 جلدة، وأن تُلقى فيه القيود والأغلال وكأنه يقيد البحر، ولم يكتف بذلك، بل أمر بمياسم الحديد لكي تُحمى ثم تكوى بها أمواج البحر عقاباً لها!

يذكر هيرودوت أن القوات الفارسية بعدما نجحت أخيراً في العبور، سارعت لاقتحام أثينا وأحرقتها بشكل جنوني، ولكن أسطولهم مُني بهزيمة مُذلة في سلاميس، فخشي خشايارشا أن يقطع اليونان عليه طريق العودة فأسرع هارباً بأغلب جيشه، وترك جيشاً أصغر مع قائده ماردونيوس فأباده اليونان عن بكرة أبيه!

النصر والهزيمة في ساحات المعارك وجهان لعملة واحدة، لكن المستهجن هو أن يجد الإنسان وسائل كثيرة للتعاطي مع الخلاف قبل أن يصل لمرحلة التعارك فيختار أسوأها.

ويكون بمقدوره أن يُبقي وشائج الود مع الآخرين فيصر على قطعها، ويوغل في الخلاف ولا يترك محطة عودة إلا وينسفها ولا جسراً لمراجعة النفس إلا ويحرقه، ليَصْدُق فيه القول السائر بأن ذاك الذي لا يملك إلا مطرقة في يده لن يرى الدنيا أمامه إلا مسامير لا بد من دقّها!

عندما سُئل أبوسفيان بن حرب: بم سُدْتَ قومك؟ فقال: «إني لم أُخاصم أحداً قط إلا عند الضرورة، فإن كان لا بد من خصامه، تركتُ للصلح موضعاً»، وذلك مسلك العقلاء.

فالمرء لا يستطيع أن يعيش وحده ليخاصم أصحابه، ولا يستطيع تغيير الجغرافيا وتحريك كتَل التضاريس الهائلة ليَفجُر في خصومته مع جيرانه، فالمناكفات تذهب لكن الأرض ومن عليها لا تذهب، والناس قد تسامحك على ما صنعتَ، لكن لن تنسى أبداً سوء فعلك وانعدام مروءتك.

المرء يتقوى بالصالحين لا بالتافهين، ويُغيّر واقعه بأهل الهمة، لا بمنعدمي الذمة، فالبذيء لا يبني داراً، والفاحش لا يؤسس مجداً، وقاذف الأعراض لن يترك لمن يدعمه صاحباً، ولن نُذكِّر أحداً بما فعلنا، فما فعلناه هو ما تربينا عليه ولم نفعله مجاملة أو مُراءاة أو انتظاراً لشيء في المقابل.

ولكن المستغرب أن يكون عماد آلة صديق الأمس الإعلامية كل فاحش قول وبذيء لفظ ومُلفّق تُهَم، فبهؤلاء لا يحتاج الإنسان عدواً، فهم من سيجر عليه الخيبات والنكبات.

وكم كان الأعرج العلوي صادقاً وناصحاً وهو يقول للموفّق العباسي وقد رأى في جنده قسماً من أنذال الناس فقال: «أصلح الله الأمير، الفتنة سوق لا تَنْفَقُ إلا بالأرذال، وقد أراح الله منها، فاصطنعْ ذوي الأصول والذوات»!

إن سياسة المبادرة بالهجوم واختلاق كيان شيطاني لتضع نفسك مباشرة في موضع المناضل عن الحق والفضيلة والقيم، لتُشغل الناس لديك عن الانتباه لمأزق آنٍ أو كارثة قادمة، هو أمر ليس بالجديد، فقد رأيناه كثيراً لدى الدول المأزومة ببرامجها السياسية أو الاقتصادية المتعثرة.

لكن الجديد أن تختار جارك وعونك في الليالي الكالحة لتؤلب عليه كل نطيحة ومتردية، وتتمادى في سردية كاذبة تقوم على الانتقائية والتلفيق وتزوير الصور والحوادث، متناسياً أن الحقائق لا تُستَر بغربال، ومتعامياً عن «الفضح» اليومي لأكاذيبك دون أن تتوقف أو تشعر ببعض الخجل.

ودون أن يتوقف النطائح والمترديات لديك وهم يرون أكاذيبهم تسقط تباعاً، ولا يزيدهم ذلك إلا إمعاناً في التلفيق ومواصلة في الكذب، فمن أي طينة أنتم؟!

إن المواقف تكشف معادن الرجال، ومواطن الخصومة تُظهر أخلاقهم، وعندما تنعدم الحجة وينكشف التلفيق يبدأ الصراخ، وعندما تعلو الشتائم يظهر للجميع من خسر النقاش فوراً، وعندما تضع الأحداث أحمالها سينكشف موطن الداء وسينتبه الجميع لعظم البلوى، فماردونيوس لم يُهزم عندما هرب خشايارشا، ولكن عندما صفق المنافقون والمتملقون لجَلْد مضيق الدردنيل!