المسار البطيء

في كثير من التجارب الإنسانية والمؤسسية، لا يكون الإخفاق ناتجاً عن ضعفٍ حقيقي، بقدر ما يكون نتيجة سوء توجيه للجهد. تُصرف الطاقات أحياناً في محاولة تحسين جوانب ثانوية، بينما تُهمَل عناصر قوة قادرة على صنع فارق أكبر. هذا الخلل في ترتيب ما يستحق العناية أولاً، هو ما يجعل بعض المسارات تتباطأ، رغم توفر الإمكانات.

ومن هنا، تبرز المقارنة كأحد أكثر الأسباب شيوعاً لهذا الخلل. فكثيرون لا يلتفتون إلى ضعفهم إلا حين يقارنون أنفسهم بغيرهم، فيقيس أحدهم إلقاءه بطلاقة زميل، أو تقارن مؤسسة ابتكارها بمنافس، فتتحول المقارنة إلى صورة مجتزأة، تُضخّم ثغرة صغيرة.

ومع الانشغال بها يصبح الهمّ اللحاق بالآخر، بدل الانطلاق من الذات، فتُستنزف الجهود في إصلاح ما لا نجيده، بينما تُهمَل قدرات حقيقية، كان يمكن أن تكون مصدر تميّز، فنخسر ما نملك دون أن نربح ما لا نملك.

قرأتُ مرة عن مارادونا، لم يكن متقناً لقدمه اليمنى مثل يسراه، لكنه لم يسمح لهذا النقص أن يحجب عبقريته. أدرك أن قوته في يسراه، فحوّلها إلى هويته الكروية، وأدار ضعفه دون أن يطارده.

هذه هي الفكرة الأساسية: الضعف يُدار، لكن القوة تُنمّى. المطلوب ليس إنكار ضعفنا، بل وضعه في حجمه الطبيعي، وتقليل أثره، دون أن نمنحه القيادة. أما القوة فهي التي تستحق أن توجه المسار، لأنها القادرة على صناعة التميّز وترك البصمة.

والأمر ذاته ينطبق على المؤسسات، فكم من شركة تمتلك إمكانات واضحة في مجال ما، ثم تُشتّت نفسها في ملاحقة مجالات لامعة، فتفقد ميزتها الأصلية. فالنجاح لا يقوم على إجادة كل شيء، بل على الإتقان في ما تُجيده المؤسسة فعلاً، والمقارنة حين تغيب عنها الحكمة، تتحول من محفّز إلى عبء، وتدفع الإنسان والمؤسسة معاً إلى حركةٍ دائمة بلا اتجاه واضح.

إدارة القوة والضعف تحتاج إلى حكمة، أن نعرف ما الذي نُحسّنه حتى لا يعيقنا، وما الذي نُنمّيه حتى يُميّزنا. ندير الضعف بالقدر الذي يمنع سقوطنا، ونوجّه جهدنا الأكبر لما يرفعنا. فالإنسان الذي يفهم هذا الميزان، يعيش أكثر توازناً، والمؤسسة التي تبني استراتيجيتها على قوتها تبقى لأنها صادقة مع ذاتها، لا لأنها بلا ضعف.

ولهذا، فإن القادة الحقيقيين، في ذواتهم وفي كياناتهم، لا ينشغلون بتعداد ما ينقصهم، بقدر ما يُحسنون توظيف ما بأيديهم، فالضعف ليس غائباً، لكن الاتجاه تصنعه القوة، ومن لم يعرف أين يضع ثقله الحقيقي، سيظل يراوح مكانه.