من أرض الإمارات.. القمة العالمية للحكومات تضيء للعالم مستقبله

في 5 فبراير 2026، أسدلت دبي الستار على النسخة الأضخم من القمة العالمية للحكومات، بعد أن حطمت جميع أرقامها القياسية السابقة، تحت شعار «استشراف حكومات المستقبل»، تحولت المنصة إلى ملتقى عالمي يوحد الرؤى في زمن التحولات المتسارعة، مؤكدة مكانة دولة الإمارات حلقة وصل استراتيجية بين الشرق والغرب.

نسخة استثنائية في تاريخ الحدث، شارك فيها أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة، إلى جانب 500 وزير وممثلين عن 150 حكومة، ليصل إجمالي المشاركين إلى 6.250 شخصاً، من بينهم 700 رئيس تنفيذي و87 عالماً من حائزي جوائز نوبل، ممثلين لـ80 منظمة دولية. هذه الأرقام لم تكن مجرد إحصاءات، بل انعكست في 445 جلسة نقاشية أوجدت تكاملاً فريداً بين صناع القرار السياسي وقادة الأعمال والعقول العلمية.

في أروقة المؤتمر، شهدت إحدى الجلسات الجانبية لحظة غير مخطط لها: وزيرة تعليم من دولة أفريقية التقت بمدير تنفيذي لشركة تقنية عملاقة، تبادلا الأفكار لدقائق، ثم خرجا بمبادرة مشتركة لمحو الأمية الرقمية في 500 مدرسة ريفية خلال عامين.

هذه اللحظات التشاركية والإحساس بالمسؤولية هي ما تصنع الفرق الحقيقي، وهي التي تؤكد أن دولة الإمارات لم تستضف مجرد قمة، بل وفرت مساحة للحلول لما فيه الخير للإنسانية جمعاء.

المشاركة الكثيفة أكدت ثقة المجتمع الدولي في قدرة دولة الإمارات على استضافة حوارات جادة تتجاوز الدبلوماسية التقليدية نحو حلول عملية، وهو ما ظهر جلياً في المحاور الرئيسية التي ركزت على القضايا الأكثر إلحاحاً للبشرية، في مقدمة هذه المحاور، جاء الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية، بل قضية إنسانية بامتياز.

شهد الحدث إطلاق «البرنامج العالمي لتسريع أثر الذكاء الاصطناعي 5X»، لكن النقاشات تجاوزت الإنجازات التقنية نحو سؤال أعمق؛ كيف نضمن أن يخدم الذكاء الاصطناعي الإنسان فعلياً؟ حيث أكد أحد الخبراء من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في إحدى الجلسات المحورية أن الهدف النهائي ليس بناء أنظمة ذكية، بل تحسين جودة حياة البشر. وأضاف أن الاستثمار في المهارات الرقمية لجيل الشباب،الأكبر تاريخياً، هو ضمانة حقيقية لمستقبل العمل والتعليم، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي تعيد رسم خريطة الوظائف عالمياً.

وخرجت الجلسات بتوصية محورية أجمع عليها الخبراء، ضرورة وضع تشريعات أخلاقية عابرة للحدود تحمي المجتمعات من مخاطر التضليل الرقمي والتحيز الخوارزمي، مع الحفاظ على روح الابتكار التي تدفع التقدم، التحدي لم يعد تقنياً فقط، بل أخلاقياً وتشريعياً بالدرجة الأولى.

ومن عالم التكنولوجيا إلى فلسفة الإدارة الإنسانية، قدم الملتقى مفهوم «تصفير البيروقراطية» كنموذج إماراتي يُصدّر للعالم، يهدف لإعادة تعريف العلاقة بين الحكومة والمواطن، حيث أوضح رئيس الخدمات الحكومية في دولة الإمارات، أن الأمر ليس مجرد تبسيط إجراءات، بل تحول جذري في فلسفة القيادة نفسها، موضحاً: «عندما نضع الإنسان في قلب الخدمة، تتحول البيروقراطية من عائق إلى محفز للتطور، ومن عبء إلى قيمة مضافة».

عزز جون كليفتون من مؤسسة غالوب هذه الرؤية بملاحظة دقيقة: في عصر البيانات الضخمة، القادة الناجحون ليسوا من يجمعون أكبر قدر من المعلومات، بل من يحولونها إلى وضوح في الرؤية ودقة في القرار، الهدف النهائي ليس الأرقام، بل اتخاذ قرارات تلمس الاحتياجات الحقيقية للشعوب وتحسن حياتهم اليومية بشكل ملموس.

وبالتوازي مع هذه المحاور التقنية والإدارية، حضرت الاستدامة ركيزة اقتصادية واستراتيجية لا غنى عنها، امتداداً طبيعياً لنجاحات COP28 واتفاق الإمارات التاريخي الذي أعاد رسم خريطة التزامات المناخ العالمية. أجمع القادة المشاركون على حقيقة واحدة؛ التفوق الاستراتيجي المستقبلي لن يكون حليفاً للدول الأغنى بالموارد فحسب، بل للدول القادرة على دمج مواردها الطبيعية بالذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الخضراء.

تم استعراض نماذج مبتكرة للتمويل المناخي وسلاسل التوريد المستدامة، مع التركيز على آليات تحويل الالتزامات الطموحة إلى مشاريع ملموسة على الأرض، لم تكتفِ الجلسات بالوعود الرنانة، بل رسمت خرائط طريق واضحة المعالم نحو اقتصاد «صفر كربون»، مع جداول زمنية محددة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.

لكن ما يميز هذه القمة العالمية حقاً هو تحولها من منصة نقاش إلى مصنع حقيقي للمعرفة الاستراتيجية، بالتعاون مع كبرى مراكز الفكر الدولية، حيث أصدرت القمة 36 تقريراً استشرافياً تركز على حلول عملية لسد الفجوة الرقمية بين الشمال والجنوب العالمي، وتصميم نماذج حوكمة مرنة قادرة على مواجهة الأزمات المفاجئة، من الأوبئة إلى الكوارث المناخية، بالإضافة إلى آليات تنفيذية دقيقة لتحويل التوصيات من أوراق بحثية إلى سياسات حكومية قابلة للتطبيق.

هذه التقارير تحولت فعلياً إلى مراجع استراتيجية يعتمدها صناع القرار في عواصم العالم، من واشنطن إلى طوكيو، ومن لندن إلى نيروبي، مخرجات القمة العالمية للحكومات المنبثقة من أرض الإمارات، لم تعد تتوقف عند حدود القمة، بل أصبحت جزءاً رئيسياً ومحورياً في السياسات الحكومية والخطط الوطنية في عشرات الدول.

وخلف كل هذا النجاح المؤسسي والتنظيمي، تقف رؤية قيادية واضحة المعالم عبّر عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بقوله الملهم: «نجاح هذه القمة هو نجاح لفريق الوطن بأكمله»، مشدداً على أن الإمارات ستظل دائماً «ميداناً لصناع الأمل» ومنصة تجمع العالم على الخير والازدهار المشترك.

هذه الرؤية لم تكن مجرد شعار عابر، بل انعكست في كل التفاصيل الدقيقة للقمة، من التنظيم اللوجستي الاستثنائي إلى جودة المحتوى المعرفي العميق، ومن التنوع الجغرافي والثقافي للمشاركين إلى عمق النقاشات وشموليتها لكل القضايا الحيوية، فنحن دولة نقول ما نفعل، ونفعل ما نقول.

القمة العالمية للحكومات 2026 لم تكن حدثاً عابراً ينسى بمجرد انتهاء جلساته، بل خارطة طريق عملية انطلقت من أرض الإمارات لتضيء للعالم مستقبله، حاملة رسالة واضحة لا لبس فيها؛ المستقبل لا يُنتظر بل يُصنع، وأدواته هي التعاون الدولي الجاد والمعرفة المشتركة والابتكار الأخلاقي المسؤول.

فالقمة التي أشرقت من أرض الإمارات لم تكتفِ باستضافة نقاش عالمي رفيع المستوى، بل صنعت وأضاءت مسارات عمل واضحة للمستقبل الدولي لا سيما في القرن الواحد والعشرين، بمعايير قابلة للقياس ومسؤوليات محددة، لبناء عالم أكثر أماناً واستدامة للأجيال القادمة.