اللاتينيون والكاريبي في القمة العالمية للحكومات

عدت مؤخراً من دبي بعد مشاركتي في أعمال «القمة العالمية للحكومات 2026»، التي انعقدت هناك في الفترة من 2 - 5 فبراير 2026م، بدعوة كريمة من رئيس القمة معالي محمد بن عبدالله القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء، بدولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة.

أعمال القمة، كانت ناجحة على مختلف المستويات، كما جرت العادة منذ انطلاقها عام 2013، غير أن هناك ثمة ملاحظات تستوجب الإشارة إليها على صعيد الحضور في المنتدى الذي تحول إلى منصة عالمية هدفها تبادل الرؤى والأفكار والابتكارات بين القطاعين العام والخاص، وبين الحكومات والمنظمات العالمية والإقليمية والمحلية المتخصصة، من أجل بناء شبكة من الشراكات الاستراتيجية تترك أثراً ملموساً على الحياة في كوكبنا.

كتبت الزميلة «نوفر رمول» في صحيفة «العرب» اللندنية (7 /2 / 2026) قائلة ما مفاده أن ما ميّز قمة هذا العام هو الحضور المكثف لقادة ورؤساء حكومات ووزراء من أفريقيا السوداء، مضيفة أن ذلك «يعكس اتجاهاً متنامياً لدى عدد من الدول الأفريقية للانخراط في منصات دولية أوسع تبحث عن شراكات اقتصادية تتجاوز القوالب التقليدية للعلاقات الثنائية».

وهذا صحيح، فالقارة السوداء التي أهملت طويلاً، شهدت في السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً من قبل القوى العالمية المتنافسة بموقعها الاستراتيجي في سلاسل الإمدادات العالمية، وثرواتها غير المستغلة، وثقلها الديموغرافي والدبلوماسي، وإرثها التاريخي،.

فلئن بادرت الصين بدخول القارة عبر الاستثمار في البنية التحتية وتقديم القروض طويلة الأجل والتصدير المتنوع للسلع والبضائع، فإن روسيا دخلت القارة عبر التعاون العسكري والأمني مع دولها، بينما كان دخول الولايات المتحدة عن طريق الاستثمار الخاص والحوكمة وسلاسل الإمداد والتمويل، وكان دخول أوروبا عبر إرثها التاريخي في القارة، قبل وبعد مرحلة الاستعمار.

أما دولة الإمارات فقد اختارت أن يكون حضورها في القارة من خلال شراكات مع دولها تستهدف تطوير العمل الحكومي والبنية الرقمية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في التنمية، والارتقاء بقطاعات معينة مثل التعدين والطاقة النظيفة، والاستثمار في الزراعة كمصدر للأمن الغذائي، والتدريب الدبلوماسي، وتنمية الموانئ البحرية.

وغير ذلك من أوجه التعاون. ويمكن القول إن جل ما ذكرناه ينطبق أيضاً على قارة أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي اللتين كان لهما حضور قوي موازٍ في قمة هذا العام، بدليل مشاركة قادة ورؤساء حكومات أو وزراء من البارغواي والإكوادور والدومانيكان وبنما وسورينام.

وفيجي وجزر البهاما وجزر سليمان وفانواتو وبالاو وسانتا لوشيا وبابوا غينيا الجديدة، بل بدليل استضافة دبي بالتزامن لأول منتدى استثماري مشترك من نوعه لأمريكا الجنوبية والكاريبي بترتيب من مؤسسة القمة العالمية للحكومات ومؤسسة التمويل الدولية (IFC) وبحضور قادة ومستثمرين ورؤساء لاستكشاف فرص استثمارية استراتيجية بين هذه الدول ودولة الإمارات.

وهو ما أثمر عن الاتفاق على تنظيم حوار إقليمي في جمهورية الدومانيكان لدول أمريكا اللاتينية والكاريبي بحلول نهاية العام الجاري. وهو أيضاً ما برهن على نجاح الإمارات في قيادة الحوارات الحكومية وبناء جسور التعاون بين الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية.

وهذا يعكس رغبة هذه الدول في توسيع انفتاحها على العالم وتعزيز شراكاتها الاستراتيجية، ولاسيما دول الشرق الأوسط، والاستفادة من النموذج الإماراتي في التنمية والرخاء والازدهار والابتكار وتنويع مصادر الدخل، ومجالات الطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي واللوجستيات البحرية والاستثمار في المستقبل.

في المقابل، أعلنت دولة الإمارات المستضيفة على لسان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أن هذه الدول تمثل أهمية حيوية للتجارة العالمية، وتعد إحدى أهم وجهات النمو الواعدة في الاقتصاد العالمي الجديد.

مضيفاً سموه: «شراكتنا الاستراتيجية معها تنطلق من رؤية واحدة ورهان مشترك للاستثمار في اقتصادات المستقبل، وضمان نمو وتدفق التجارة العالمية، ومواجهة التحديات الناشئة التي تحتاج إلى تكاتف وتعاون الجميع لتعزيز الجاهزية للمستقبل».

والحقيقة، أني لمست من خلال لقاءاتي وأحاديثي الجانبية مع عدد من مسؤولي دول أمريكا الجنوبية المشاركين، رغبة بلدانهم الجادة في تأسيس شراكات استراتيجية وتنموية مع الإمارات وشريكاتها في مجلس التعاون في مجالات كثيرة، ولا سيما المجال الزراعي والغذائي.

وهو ما أكده رئيس الباراغواي أكثر من مرة، أما وزير خارجية بنما خافيير مارتينيز، فقد أعرب لي عن حزنه لعدم وجود قنوات شعبية بين بلده ومنطقة الخليج، مضيفاً أن وجوده في القمة سهل له التفاوض مع سلطات الطيران المدني بدولة الإمارات حول تأسيس خط جوي يربط دبي بعاصمة بلاده (بنما سيتي) من أجل تعزيز السياحة والعلاقات الثقافية البينية.

خلاصة القول، إن القمة العالمية للحكومات باتت تمثل منصة عالمية مهمة، إن لم تكن الأهم في العالم، لرسم ملامح المستقبل وتوجيه الجهود نحو التعاون بهدف تحويل التحديات إلى فرص، ولشراكة عالمية عابرة للقارات.