هذا هو الدرس الأخير من دروس كتاب «علمتني الحياة» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ختم به هذه السلسلة الرائعة من الدروس الثمينة التي استلهمها عبر مسيرة طويلة من العمل الجاد، والجهد المضني، والسعي الحثيث في سبيل مجد هذا الوطن والارتقاء بإنسانه، وتعبيراً عن الامتنان لله تعالى جعل عنوانه: (والله الموفق أولاً وآخراً)، حيث استقصى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد جميع مظاهر التوفيق في مسيرة هذا الوطن الطيب الأصيل، وربط ذلك كله بفضل الله تعالى وتوفيقه، وافتتحه بقوله: «تم هذا الكتاب بحمد الله، والله الموفق أولاً وآخراً، نعم، التوفيق من الله، والنجاح من الله، والسداد منه وحده، {وما رميتَ إذ رميتَ ولكنّ الله رمى}»، بهذا اللسان اللاهج بحمد الله والثناء عليه يفتتح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هذا الدرس الثمين متبرئاً من حوله وقوته، مرجعاً كل خير وفضل حصل له في حياته إلى كرم الله وفضله، وهذا من تمام التوفيق للعبد حين يلهمه الله تعالى هذه الفضيلة، ويطْلِق لسانه بالشكر وجوارحه بالحمد، فيكون ممن يستحقون المزيد تحقيقاً لوعد الله لعباده الشاكرين حين قال في كتابه العزيز: {لَئِن شَكَرْتمْ لَأَزِيدَنَّكمْ}.

في مقابل هذا الشعور الغامر بالحمد والثناء، هناك شعور صادق بالتواضع والاعتراف بالإنسانية المحكومة بقدراتها التي وهبها الله إياها، وأن جميع ما تم إنجازه في هذا الوطن الكبير إنما كان بتوفيق الله وفضله، وهو ما عبّر عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بقوله: «لسنا الأذكى في العالم، ولسنا الأقوى، ولكننا الأقرب إلى منبع التوفيق»، وتوضيحاً لهذه العبارة الصادقة العميقة يواصل سموه قائلاً: نعم نحن بشر محدودو القدرات والطاقات والإمكانات، وما توفيقنا إلا برب البشر ورب الأكوان ورب الأقدار»، لتكون هذه الكلمات دستوراً في فهم معاني الإنجاز الذي ربما خطر في بال الناس أنه من صنع الإنسان بعيداً عن مفهوم العون الإلهي، فجاء كلام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مبدداً لهذا الوهم، مرسخاً لذلك الأصل العظيم.

«التوكل على رب العباد يريح النفس من مطاردة كل شيء، ويخْرِجها من وهم السيطرة على كل شيء، ويطَمْئِن القلب، ويمنحنا التواضع، لأننا نعرف بأننا لا نملك من الأمر شيئاً، بل إن الأمر كله لله» بكل هذا التسليم الجميل والوعي النافذ يشرح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد روح التوكل وآثارها الإيجابية على النفس، حيث يشعر القلب بالطمأنينة، والروح تغمرها السكينة، فتمتلئ الروح باليقين والأنس، ويكون القلب معموراً بالتوكل على الله تعالى.

وتعبيراً عن تمام الثقة بالله تعالى والتسليم لأمره، واليقين بأن النجاح والتوفيق بيده يواصل سموه قائلاً: «نحن نسعى والتوفيق والنجاح من عنده، ولا نعرف متى يأتي، بل نؤمن بأن الثمار ستأتي حتى وإن تأخرت، فيستمر العمل حتى إذا لم نرَ آخر الطريق»، وهذا هو اليقين الذي تأتي معه كل الخيرات وتنفتح به سبل العطاء والبركات.

ولكي لا يبقى الحديث عن التوفيق الإلهي كلاماً نظرياً يربط صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بين هذا المعنى وبين نشأة دولة الإمارات بقوله: «أتفكر أحياناً كيف بدأت دولة الإمارات من ضعفٍ وتفرقٍ وأعداءَ متربصين، وكيف وفقها الله، وسخر لها الظروف، ومنحها القادةَ المخلِصين، وجمع فيها النفوس، ووحد فيها القلوب، وألّف بين قلوبهم، يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قلوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهمْ},حتى أصبحت هذه البلاد محط الأنظار، ووجهة العالم» فإذا كانت الدولة كلها هي ثمرة التوفيق الإلهي فإن كل ما فيها من جزئيات التوفيق وتفاصيله إنما هو جزءٌ من ذلك الكل المبارك الميمون.

ويواصل سموه إلقاء الضوء على مسيرة الدولة المحفوفة بالتوفيق الإلهي على الرغم من المحيط المضطرب الذي يحيط بها من كل الجهات قائلاً: «أتفكر في هذه الدولة الوليدة التي تعيش في منطقة مضطربة، منطقة لم تتوقف فيها الحروب، ولم يتوقف فيها الجنون، ولم تستقر منذ عقود، كيف صنعت أفضلَ نموذجٍ من الازدهار عبر تاريخ البشرية في فترة قياسية! أليس ذلك بتوفيق الله وحده، وسداده لقادة هذه الدولة ومؤسسيها وشعبها، وهدايته لهم لأحسنِ الأعمالِ والأفعالِ والأقوال؟» وواضح ما في كلام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من التسليم التام لأمرِ الله، وإرجاع كل فضلٍ إلى مشيئته النافذة مع ربطه الواثق بين السعي الإنساني المطلوب وبين العون الإلهي المأمول، هو ما ختم به هذا الدرس العميق قائلاً: «التوفيق من الله هو الجسر بين القَدَرِ الإلهي والسعي البشري، نحن نسعى والله يفتح الأبواب، التوفيق من الله هو قوة تهدينا وترشدنا وتسخِر لنا القلوب»، ثم تزداد نبرةَ الثقة بالتوفيقِ الإلهيِ حين يصل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إلى مشارف النهاية في مقالته ليقول: «التوفيق من الله هو ثبات في وجه أصعبِ التحديات، لأن الرياح لا تحرِك من كانت جذوره في السماء، التوفيق من الله ليس كلمةً نردِدها بل هو إيمانٌ راسخٌ ويقينٌ قويٌ، وفلسفة عيشٍ نحيا بها».

وبتواضع الإنسان الكبير كانت الجملة الأخيرة في هذا الكتاب هي: «تم هذا الكتاب بحمد الله، كما تم غيره من الأعمال، والله الموفِق أولاً وآخراً».