كلما تقدمت المعرفة العلمية، تراجع السؤال التقني خطوة إلى الخلف، وتقدم السؤال الأخلاقي إلى الواجهة. وفي ملف العلوم العصبية والحرب المعرفية، لا يكمن الخطر الحقيقي في وجود تقنيات قادرة على التأثير في الإدراك، بل في غياب منظومة حماية متكاملة تضمن أن يبقى الإنسان غاية لا وسيلة.
حتى اليوم، لا يملك القانون الدولي أدوات واضحة للتعامل مع ما يسمى «السلامة الذهنية». فالمعاهدات الدولية صيغت في عصر كانت فيه التهديدات ملموسة: أسلحة تقليدية، كيماوية، أو نووية.
أما التأثير على الإدراك والسلوك دون عنف جسدي مباشر، فما زال يقع في منطقة رمادية. ورغم نقاشات متزايدة داخل أروقة الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، فإن هذه المفاهيم لم تتحول بعد إلى تشريعات ملزمة.
هنا يظهر دور أخلاقيات العلوم كخط دفاع أول. لجان أخلاقيات البحث العلمي، والموافقة المستنيرة، وحق المريض أو الفرد في الرفض، كلها أدوات وضعت لمنع الانزلاق. لكنها تبقى محدودة التأثير إذا لم تدعم بإرادة سياسية وقانونية واضحة، خصوصاً عندما تتقاطع الأبحاث العلمية مع المصالح الأمنية أو الاقتصادية.
الإعلام بدوره يقف أمام اختبار صعب. فالمبالغة في تصوير «التحكم بالعقول» قد تزرع الخوف وتغذي نظريات المؤامرة، بينما التبسيط المخل قد يخدر الوعي العام ويؤجل النقاش الضروري. المطلوب إعلام معرفي، لا دعائي، يشرح الفروق بين العلاج والتلاعب، وبين البحث العلمي والاستخدام القسري، ويمنح الجمهور أدوات الفهم لا الذعر.
أما على مستوى الأفراد والمجتمعات، فإن الحماية لا تكون بالقوانين وحدها، بل أيضاً بالتربية الإعلامية والوعي الرقمي. فالمجتمع القادر على تحليل ما يتلقاه من معلومات، هو أقل عرضة للتأثير غير المرئي، سواء أكان عبر خوارزمية، أو خطاب موجه، أو تضليل ممنهج.
في المحصلة، لا يعيش العالم اليوم سباق تسلح عصبي بقدر ما يعيش سباقاً بين التقدم العلمي ونضج الضمير الإنساني. والسؤال الحقيقي لم يعد: ماذا نستطيع أن نفعل بالعلم؟ بل: ما الذي يجب ألا نفعله، حتى لو كان ممكناً؟