دبي في موسمها.. مدينة تنصت لذاكرتها

هذه مدينتي التي أحبها دبي، مدينة عرفت كيف تُنصت لذاكرتها، وهي تمضي بثقة نحو المستقبل، إنها مدينة ينهض عمرانها من تلاقي البحر والسماء في مشهد واحد، كحوار مفتوح بين الشراع والفضاء، بين اليد التي بنت أول مركب، والعقل الذي صمّم أجرأ فكرة، ووسّع حدودها، وسهر عليها الليالي الطوال، وها هي تزدان بـ موسم دبي الفني 2026، تعيش لحظة وعي ثقافي متفوقة، فتقدّم العمارة قراءتها الخاصة بخطاب فلسفي عميق، يقرأ الزمن بلغة المكان، وتتيح للفن أن يتجول مأخوذاً بين أورقتها.

شدّتني الجولات المعمارية في دبي أوبرا، ذلك الصرح الذي يستعيد هيئة «الداو» الإماراتي، بانحناءاته الرشيقة، ويقدّمها في قالب معاصر يفيض بالضوء والاتساع، الشراع ينطق كلغة بصرية، تحمل في طياتها معنى الحركة، والبحث، والقدرة على التوجّه، ومن وجهة نظري كباحثة، تمثل دبي أوبرا درساً عميقاً في فلسفة الاستلهام، حيث يظل الرمز التراثي حياً، متجدداً، وقادراً على حمل المعنى عبر الأزمنة.

في هذا الفضاء، تحضر روح المكان في التفاصيل. المساحات المفتوحة داخل الصرح تستحضر في الذاكرة اتساع البحر، الذي شكّل الوعي الجمعي لأهل الساحل. الخشب والزجاج يتجاوران في تناغم محسوب، يربط بين حرفة صناعة السفن القديمة، وديناميكية العمارة المعاصرة. هذا التوازن يمنح الزائر إحساساً بالطمأنينة، ويؤكد أن الجمال حين ينبع من الجذور، يملك قدرة استثنائية على العبور إلى المستقبل.

موسم دبي الفني يفتح أمام التراث مساحات واسعة للفعل الإبداعي، فالحرف التقليدية حاضرة متوهجة في صيغ معاصرة، بل وتدخل في تصميم الأثاث، وفي الأعمال الفنية، وفي المنتجات الثقافية اليومية، وهذا الحضور يمنح الحرفة امتداداً حياً في الحياة المعاصرة، كما سبق وأكدنا عدة مرات، حيث يجعلها جزءاً من الاقتصاد الإبداعي، وجزءاً أساسياً من الحركة الثقافية النشطة للمدينة. وحسب رأيي، تعكس هذه المقاربة جوهر الاستدامة الثقافية، حيث ينمو المعنى مع الممارسة، ويغتني الإرث كمورد وقيمة فكرية وجمالية متداولة.

في العمارة، تتقدّم حلول بيئية عريقة بلغة معاصرة، صاغها مهندسون ذوو حسّ عالٍ بالمسؤولية والمعرفة.

عقول قرأت التراث بعين واعية، ورأت في تفاصيله خبرة متراكمة، فنسجت منها هندسة فنية دقيقة، قلّ نظيرها في قدرتها على الجمع بين الجمال والوظيفة.

مفاهيم التهوية الطبيعية، وتوجيه المباني، واستخدام الظلال، وجدت طريقها إلى التصاميم الحديثة، عبر فهم عميق للمكان والمناخ، وهذه المقاربات المعمارية تعبّر عن احترام للبيئة، وعن وعي بأن العمارة فعل أخلاقي، قبل أن تكون استعراضاً بصرياً، فالمعرفة المتوارثة هنا تسير جنباً إلى جنب مع الابتكار، وتفتح أفقاً عالمياً يبحث عن توازن أكثر إنسانية بين الإنسان وبيئته. دبي، عبر موسمها الفني، تقدّم هذا التوازن تجربة ملموسة، لتؤكد أن العمارة حين تنطلق من فهم عميق للجذور، تملك قدرة استثنائية على مخاطبة المستقبل بثقة وهدوء.

دبي، في هذا الموسم، وفي كل مواسمها، تهتم أن تربط العالم كله في لحظة فنية ثقافية غنية، وفي ذات الوقت، تجعل التراث الإماراتي يخاطب الناس كلهم بلغة عالمية تنفتح على الثقافات، وتحمل في الوقت نفسه عمقها المحلي، فالفنون البصرية تدور معظمها حول رموز هويتنا، كالنخلة، والصقر، واللؤلؤ وغيرها، وهناك تركيز لجعلها تقترب من القيم الإنسانية المشتركة، لفتح حوار بين الثقافات، ومنح التواصل معنى أوسع من الجغرافيا.

الرقمنة في موسم دبي الفني 2026، الممتد من الحادي والعشرين من يناير حتى السادس والعشرين من أبريل، تنطلق من فهم عميق لدور التكنولوجيا في توسيع أفق التجربة الثقافية، فهناك المؤتمر الدولي للفنون الرقمية 2026، الذي تنظمه دبي للثقافة، بالتعاون مع جامعة زايد، كمنصة فكرية تجمع بين الفنون والعلوم والتكنولوجيا، وتفتح نقاشاً واسعاً حول العلاقة بين البيانات والهوية والمكان، في انسجام مع توجهات دبي نحو ترسيخ الفنون الرقمية، كجزء من بنيتها الثقافية.

وتتسع هذه التجربة عبر المتاحف الرقمية الغامرة، حيث تتيح فضاءات مثل متحف ARTE، ومسرح الفنون الرقمية، للزائر معايشة العمل الفني بحواسه المختلفة، من الصورة إلى الصوت إلى الإيقاع البصري، في تجربة تقرّب الفن من الجسد والذاكرة معاً.

من وجهة نظري، يمثّل موسم دبي الفني 2026 تمريناً حضارياً على بناء المستقبل من داخل الذاكرة. رؤية 2071 تتجسد هنا، بوصفها مشروعاً ثقافياً طويل النفس، يوازن بين الجذور العميقة والطموح الإنساني الواسع. دبي، في هذا السياق، تقدّم نموذجاً لمدينة تعرف كيف تجعل من الفن بوصلة، ومن التراث قوة ناعمة، ومن الإبداع لغة حياة.

هذه المدينة، دبي، تعلّمنا أن الشراع يظل مرفوعاً، حين يعرف اتجاه الريح، وحين يحمل في نسيجه حكايات الأجداد، وأحلام الأبناء، وإرادة الوصول.