ترامب.. طاولة المفاوضات أم طاولة الطعام؟!

الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، دشن دبلوماسية جديدة من نوعها أمريكياً وعالمياً، شعارها اللعب مع القادة الآخرين في العالم، على مسرح مكشوف، من دون رتوش أو تجميل. هو يستخدم دبلوماسية الصدمة مع أصدقائه وخصومه، لا فرق بين إيلون ماسك أو قادة الدول الذين يختلف معهم تماماً. هو مولع بكشف وهتك كل الأسرار، لدرجة أن بعضها قد يؤثر في قضايا الأمن القومي لبلاده.

هو غير متوقَع تماماً، ينتقد شخصاً أو رئيساً في الصباح، ويمكن أن يصفه بالرائع في المساء، وحتى الآن حقق العديد من أهدافه، لكن ثمن ذلك لم يتضح بعد، وإن كانت الملامح قد بدأت في الظهور، متمثلة في غضب غالبية حلفاء أمريكا التقليديين، وبالأخص في أوروبا وحلف الناتو، الذين يشعرون بالخطر من مستقبل العلاقات.

رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، ربما يكون أفضل من عبّر بصورة صحيحة عن الأمر، بقوله: «لقد تغير العالم، وتغيرت أمريكا، ولم يعد شيء طبيعياً في الولايات المتحدة، هذه هي الحقيقة...».

بقية كلام كارني: «النظام الدولي القائم على القواعد بقيادة أمريكا، انتهى ولن يعود، لعقود طويلة، استفادت كندا من هذا النظام، ودخلنا مؤسساته، وصدقنا روايته، وشاركنا في طقوسه، واستفدنا من قابليته للتنبؤ، ومن توفيره إطار عام للأمن والأمان والنظام المالي المستقر، والعلاقات التجارية المتبادلة، والممرات البحرية المفتوحة، مع أننا كنا طوال الوقت نعلم أن هذه الرواية مغلوطة ومضللة جزئياً، وأن الأقوى دائماً يعفي نفسه من القواعد، وأن قوانين التجارة تطبق بانتقائية، والقانون الدولي يطبق بمعايير متفاوتة، حسب هوية المتهم والضحية».

كارني تحدث بوضح وصراحة، وقال حسبما نقلت العديد من الوكالات والمواقع الإخبارية: «التفاوض الثنائي مع قوة مهيمنة، هو تفاوض من موقع الضعف، وإن ذلك ليس استقلالاً، بل تظاهر بالاستقلال مع قبول التبعية»، ثم ختم بعبارة عبقرية تقول: «إذا لم تكن حاضراً على طاولة المفاوضات، فستكون حاضراً على طاولة الطعام»!!!

وإذا كان رئيس وزراء كندا، وهي الجار الأقرب والصديق الأوفى لأمريكا طوال قرون، يقول إن أمريكا قد تغيرت، فهل يأتي أي شخص ليشكك في هذا الأمر؟!

ما يفعله الرئيس ترامب كل لحظة، يؤكد أنه يأخذ الولايات المتحدة فعلاً إلى مسار مختلف تماماً، مقارنة بما كان يعرفه العالم عن أمريكا. ويكفى أنه حتى في ما يتعلق بالقواعد الدبلوماسية المتعارف عليها بين الرؤساء، في ما يخص رسائلهم واتصالاتهم، قد انتهكها ترامب، على غرار ما فعله مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حينما نشر نص رسالة سرية بينهما.

ماكرون يومها قال كلاماً شديد الأهمية، مفاده: «نحن ننتقل إلى عالم بلا قواعد، والولايات المتحدة تسعى لإضعاف أوروبا، وتخيرنا بين خيارين أحلاهما مر، فإما الصمت وإما الخضوع، وفى الحالتين، هذا خيار غير مقبول، ونحن في أوروبا نرفض منطق الترهيب، وتغليب القوة على القانون»، ماكرون ألمح مجرد تلميح إلى أن أوروبا تحتاج إلى استثمارات صينية مباشرة، وهو يريد أن يقول لترامب، إذا دخلت في صراع معنا، فسوف نتجه شرقاً إلى الصين. بل إن ماكرون لم يقبل أن ينضم إلى مجلس السلام الذي يرأسه ترامب، لإحلال السلام في غزة والمنطقة.

وبنفس المنطق غير الدبلوماسي، رد ترامب بصورة ساخرة، بقوله لا أحد يريد ماكرون في مجلس السلام، لأنه سيغادر منصبه قريباً، وزاد على ذلك بقوله، إذا شعرت أن ماكرون سوف يتصرف بعدائية، فسوف أفرض رسوماً جمركية بنسبة 200 % على عدد من المنتجات الفرنسية.

رئيس الوزراء البلجيكي، بارت دي ويفر، قال: «أن تكون سعيداً شيء، وأن تكون عبداً تعيساً شيء آخر، إذا تراجعنا الآن سوف نفقد كرامتنا، ولا جدوى من التصرف بطريقة لينة، لأنه حينما يقول أحدهم أريد أن آخذ أرضاً تابعة للناتو منكم، وإلا سوف أبدأ حرباً تجارية، فسنبدأ حرباً تجارية»، وبالطبع، فإن دي ويفر يشير بوضوح إلى تهديدات ترامب بالسيطرة على جزيرة غرينلاند الدانماركية.

كلمات مماثلة جاءت على لسان أهم حلفاء أمريكا في أوروبا، ونقصد بريطانيا، وكذلك ألمانيا، فرئيسة المفوضية الأوروبية الألمانية، أورسولا فون دير لاين، دعت إلى استقلال دائم لأوروبا عن الولايات المتحدة، محذرة من أن انتظار عودة الولايات المتحدة إلى طبيعتها بعد نهاية فترة ترامب، لن يؤدى إلا إلى تعميق هشاشة أوروبا.

السؤال: إذا كان كل قادة أوروبا وكندا الأكثر قرباً للولايات المتحدة، بل والشركاء في حلف الناتو، يعتقدون أن العالم تغير، والقواعد القديمة انتهت، فإن السؤال الذي يهمنا نحن العرب، هو: وماذا علينا أن نفعل، في ظل هذا الوضع، حتى لا نجد أنفسنا على طاولة طعام العالم، بدلاً من طاولة مفاوضاته؟!