معظم الأزمات التي تواجه البلدان والمؤسسات اليوم، لم تكن مفاجِئة، بل كانت متوقَّعة، ومُحذَّراً منها، غير أنه لم يتم التعامل معها بجدّية. المشكلة ليست في نقص البيانات، بل في ضعف الاستشراف، وفي إدارة الحاضر بعقلية قصيرة المدى.
هذه الإشكالية التي حاول رئيس القمة العالمية للحكومات، محمد القرقاوي، تسليط الضوء عليها في كلمته الافتتاحية الرائعة والملهمة، أمس الأول، وسط حضور حشد من رؤساء الدول والحكومات والوزراء وغيرهم في دبي. فقد ألمح إلى أن تركيزنا هو ما يحدد اتجاه طاقاتنا، وبالتالي، شكل المستقبل الذي نصنعه. الرسالة كانت واضحة: المستقبل نتيجة قرار، لا صدفة.
وبالفعل، المتأمل في الاقتصاد العالمي يجده يتجه بوضوح نحو مفهوم «المرونة الاقتصادية»، ذلك أن النمو السريع لم يعد كافياً، والدول باتت تُقيَّم بقدرتها على امتصاص الصدمات، مثل التعرض للأوبئة، والنزاعات، واضطراب سلاسل التوريد، والتحولات التكنولوجية.
صندوق النقد الدولي يحذّر من أن تجاهل هذا التحول يعرّض الاقتصادات لخسائر قد تصل إلى 7 في المئة من الناتج المحلي العالمي. ذلك أن الاقتصاد المستقبلي اقتصاد إدارة مخاطر، لا سباق أرقام فحسب. وقد رأينا كيف شلت جائحة «كورونا» مطارات الأرض ومصانعها واقتصاداتها ومدارسها.
ولذلك، ليس التعليم ببعيد عن ضرورة استشراف المستقبل. فالبلدان التي لا تساير التكنولوجيا المتقدمة، وتصر على الدراسة الحضورية، ولا تعتد بتقنية التعليم عن بعد، سيطوفها القطار. قبل أيام التقيت بباحثين أخبراني أنهما اجتازا مناقشة بحث في الدكتوراه عن بعد، من أكبر الجامعات العالمية. سألتهما إن كانت الجامعة تتعرض لمشكلة ما، فقالوا لا، ولكنها ممارسة بدأ يتسع نطاقها. هي باختصار مرونة تعليمية.
أما سوق العمل، فهو يتغير بوتيرة أسرع من أن تلحق به الأنظمة التعليمية التقليدية. التقارير الدولية تؤكد أن الوظائف المستقبلية ستعتمد على مهارات التفكير، والتكيّف، والتعلّم المستمر، لا على تخصص جامد.
والدول التي تستثمر في الشهادات فقط، وتُهمل بناء القابلية للتعلّم مدى الحياة، ستنتج فجوة مهارات حادة، فضلاً عن البطالة، مهما ارتفع عدد خريجيها.
كما أن قدرات الذكاء الاصطناعي تضاعفت بوتيرة غير مسبوقة، بنحو ألف مرة في عام واحد، كما ذكر القرقاوي. ويتوقع أن تبلغ ملايين الأضعاف بعد سنوات ليست ببعيدة. لذلك، يمكننا القول إن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من بنية القرار في الاقتصاد، والإعلام، والصحة وغيرها.
الخطر الحقيقي لا يكمن في التقنية نفسها، بل في استخدامها من دون حوكمة. مثل الاستسلام لانتشار المحتوى المفبرك، وتراجع الثقة، وتحويل الخوارزميات إلى مرجع غير خاضع للمساءلة، كل ذلك يمثل تهديداً مباشراً للاستقرار في المجتمعات.
تجاهل تنظيم الذكاء الاصطناعي اليوم، يعني دفع ثمن فقدان الثقة غداً. وقد رأيت في أحد الأفلام كيف تهوّر الذكاء الاصطناعي، وبات يتآمر على من أوجده!
وإذا ما انتقلنا إلى الأنظمة الصحية العالمية، نجدها تتحول من علاج المرض إلى التنبؤ به. الطب القائم على البيانات، والفحوصات المبكرة، والرعاية المستمرة، لم يعد خياراً، بل ضرورة. والدول التي لا تستثمر في هذا التحوّل، ستواجه تضخماً في التكاليف الصحية، وتراجعاً في جودة الحياة، وضغطاً متزايداً على موازناتها العامة.
إن استشراف المستقبل لم يعد مهمة قطاعات التخطيط أو مراكز الدراسات فقط، بل يجب أن يصبح جزءاً من آلية اتخاذ القرارات اليومية. كل سياسة اقتصادية، وكل إصلاح تعليمي، وكل استثمار تقني، ينبغي أن يطرح القائمون عليه سؤالاً واحداً: كيف سيصمد بعد خمس أو عشر سنوات؟.
الخبراء يتفقون على أن الفجوة القادمة لن تكون بين دول غنية وأخرى فقيرة، بل بين بلدان تستشرف وأخرى تتأخر. المجموعة الأولى تتخذ قرارات استباقية، وتبني سياسات مرنة، وتقتنص بواكير الفرصة، وتستثمر في الإنسان قبل الأرقام. أما المجموعة الثانية.
فتُدير الأزمات بعد وقوعها، وتلهث وراء معاناة دفع كلفة أعلى لمعالجة آثار كان يمكن تفاديها بحسن استشراف المستقبل. وهنا تتجلى المفارقة: أخطر ما في المستقبل، ليس غموضه، بل عدم الاكتراث به. وهذه هي قمة تجاهل المستقبل.