حين أسترجع ذكريات الطفولة في ثمانينيات القرن الماضي، تعود إلى الذاكرة حكاية دون كيخوت كما عرفناها عبر شاشة التلفاز، ذلك الرجل النحيل وهو يمتطي حصاناً هزيلاً، ويندفع ليقاتل طواحين الهواء. كانت تمر علينا كطرفـة مضحكة على الشاشة، فارس مرتبك يهاجم ما لا يُهاجَم، فنضحك ونمضي، دون أن ندرك أن تلك الصورة الساخرة كانت واحدة من أعمق ما صاغه الأدب عن الإنسان.
كتب ميغيل دي ثيربانتس رواية دون كيخوت في مطلع القرن السابع عشر، ليصف إنساناً من زمن مضى في مواجهة عصر يتغير، بينما ظلت داخله صورة كلاسيكية للبطولة تحكم نظرته إلى العالم، صورة لا تنتمي إلى واقعها ولا إلى سياقها.
قدم ثيربانتس شخصية دون كيخوت فارساً يرى نفسه أكبر من حدود واقعه، رجلاً يعيش في ذهنه أكثر مما يعيش في العالم. كان يتصرف كما لو أن العالم مهيأ لمعاركه، لا كما هو قائم بالفعل، فيقيس الواقع بما في خياله لا بما أمامه، بالرغم من أن كل ما حوله كان أقل من أن يحتمل بطولاته، لكن توهماته هي ما شكلت نظرته، فكما رأى حصانه جواداً نبيلاً، رأى طواحين الهواء فرساناً عمالقة، يهاجمهم ويعود من معاركه خاسراً منهكاً، دون أن تتغير أوهامه.
وفي المقابل، كانت الطواحين تمضي في دورانها الهادئ، تؤدي وظيفتها بلا اكتراث، لا تعادي أحداً ولا تنتظر معركة، تستمر في عملها بصمت، غير معنية بوهم البطولة ولا بصخب الصدام.
كان دون كيخوت أسير تصور قاصر للعالم، اندفاعات بلا تروٍ، وهوس لم يخضع لاختبار الواقع، فقادته تلك الحالة إلى معارك لا تخصه، ولا تنتمي إلى زمنه، ابتعد بها عن فهم محيطه وإدراك عالمه كما ينبغي.
هنا تتحول معركة الطواحين من مشهد درامي ساخر إلى فكر فلسفي أعمق، فالمعارك التي لا تجد خصماً أمامها، تلتهم صاحبها من الداخل قبل أن تهزمه في الخارج.
ربما لهذا لم يغادر دون كيخوت الذاكرة الإنسانية، لأنه لا يقيم في زمن بعينه، بل في الفراغ الخفي بين ما نحب أن نكونه وما نحن عليه فعلاً، حين يسبق الخيال الفهم، وتعلو صورة الوهم على قراءة الواقع.
معركة الطواحين، في بعدها الرمزي، تكشف ما يحدث حين يسبق التصور الفهم، وحين يبتعد الوهم بصاحبه عن معاركه الحقيقية، ويغريه ببطولات زائفة، في زمن لا يعترف إلا بالفهم الدقيق للسياق، والقدرة على التمييز بين ما يستحق المواجهة وما ينبغي تجنبه.