فبينما تقترب الحرب من دخول عامها الخامس، لم يعد التقدم الروسي على الجبهات الشرقية والشمالية مجرد حرب استنزاف بطيئة، بل تحوّل في الأسابيع الأخيرة إلى قفزات ميدانية ملموسة تعتمد تكتيك «الضغط المتواصل»، ويكفي للتدليل على ذلك الإشارة إلى أن مساحة الأرض التي سيطر عليها الجيش الروسي في يناير الماضي تبلغ ضعف ما سيطر عليه في الشهر الذي سبقه.
هذا التقدم لم ينفصل عن استراتيجية روسيا في استخدام المناخ كسلاح استراتيجي، حيث انتقلت من استهداف المحطات الفرعية إلى ضرب العمود الفقري لمنظومة الطاقة الأوكرانية.
ومع التحولات السياسية الأخيرة في الإدارة الأمريكية، بات من الواضح أن النفوذ الأمريكي على كييف لم يعد يقتصر على الدعم العسكري والمالي، بل تحوّل إلى «وصاية براغماتية» تسعى لطي هذا الملف الدولي المرهق.
واشنطن، التي تنظر إلى الصراع الآن بمنظار التكلفة الاستراتيجية أمام ملفات أخرى كالمنافسة مع الصين، أصبحت تميل بوضوح نحو «إنجاز» حل سياسي سريع.
ولا شك أن الرغبة الأمريكية في إغلاق الجبهة الأوكرانية تنبع من قناعة بدأت تترسخ في دوائر صنع القرار بالبيت الأبيض، مفادها أن الاستمرار في تمويل حرب بلا سقف زمني هو انتحار سياسي واقتصادي، ولذا فإن الضغط الأمريكي الحالي على كييف للجلوس إلى طاولة المفاوضات هو ضغط وجودي لا يمكن رفضه.
فعلى الرغم من الخطابات الحماسية الصادرة من بروكسل وباريس وبرلين حول ضرورة «هزيمة روسيا استراتيجياً» و«حماية قيم الديمقراطية»، إلا أن القارة العجوز تجد نفسها مكبلة بحقائق الجغرافيا والتبعية الدفاعية المطلقة لمظلة الحماية الأمريكية.
وفي هذا المشهد، يبدو أن الانقسام الداخلي الأوروبي بين دول الشرق التي تخشى التمدد الروسي، ودول الغرب التي تخشى الانهيار الاقتصادي، جعل من القارة تابعاً ينتظر ما ستؤول إليه التفاهمات بين موسكو وواشنطن.
وبما أن واشنطن هي الممول والداعم الأساسي، فإن إرادتها في «إنجاز» الحل ستتغلب في النهاية على التحفظات الأوروبية الخجولة.
نحن أمام مرحلة يتم فيها استبدال لغة المدافع بلغة الخرائط والمساومات، حيث سيُجبر الجميع على قبول تسويات كانت مستحيلة قبل عامين، ليس لأنها مثالية، بل لأن بديلها هو الانهيار الشامل للدولة الأوكرانية تحت وطأة الثلج والتقدم الروسي الذي لا يتوقف.
في النهاية، يبدو أن التاريخ سيسجل أن الحرب في أوكرانيا لم تنتهِ بانتصار عسكري حاسم لأي طرف، بل انتهت بقرار سياسي دولي اتخذته واشنطن وفرضته الجغرافيا الروسية وصمتت عنه أوروبا مضطرة.