السلام الاضطراري في أوكرانيا

مع بداية هذا العام، اتجهت الأزمة الأوكرانية نحو مشهد تتقاطع فيه عوامل الميدان مع ضغوط واشنطن المتحالفة موضوعياً مع ضغوط الشتاء القارس، وسط هيمنة أمريكية واضحة على مسار الحل النهائي.

فبينما تقترب الحرب من دخول عامها الخامس، لم يعد التقدم الروسي على الجبهات الشرقية والشمالية مجرد حرب استنزاف بطيئة، بل تحوّل في الأسابيع الأخيرة إلى قفزات ميدانية ملموسة تعتمد تكتيك «الضغط المتواصل»، ويكفي للتدليل على ذلك الإشارة إلى أن مساحة الأرض التي سيطر عليها الجيش الروسي في يناير الماضي تبلغ ضعف ما سيطر عليه في الشهر الذي سبقه.

هذا التقدم لم ينفصل عن استراتيجية روسيا في استخدام المناخ كسلاح استراتيجي، حيث انتقلت من استهداف المحطات الفرعية إلى ضرب العمود الفقري لمنظومة الطاقة الأوكرانية.

وفي ظل درجات حرارة تهبط إلى ما دون العشرين تحت الصفر، لم يعد الهدف مجرد تجريد الجيش الأوكراني من قدراته اللوجستية، بل كسر الروح المعنوية في العمق المدني، وتحويل المدن إلى بيئات ضاغطة على القيادة السياسية في كييف، ما يضعها أمام معضلة أخلاقية وسياسية خانقة، الاستمرار في قتال لا تلوح نهايته في الأفق، أو القبول بتسوية تفرضها الحقائق الميدانية المرة، وحقائق التاريخ.

في كواليس هذا المشهد الميداني القاتم، تبرز واشنطن لاعباً محورياً وحيداً يمتلك القدرة على توجيه بوصلة الصراع نحو نهايته.

ومع التحولات السياسية الأخيرة في الإدارة الأمريكية، بات من الواضح أن النفوذ الأمريكي على كييف لم يعد يقتصر على الدعم العسكري والمالي، بل تحوّل إلى «وصاية براغماتية» تسعى لطي هذا الملف الدولي المرهق.

واشنطن، التي تنظر إلى الصراع الآن بمنظار التكلفة الاستراتيجية أمام ملفات أخرى كالمنافسة مع الصين، أصبحت تميل بوضوح نحو «إنجاز» حل سياسي سريع.

وهذا التوجه الأمريكي لا يترك لكييف هامشاً كبيراً للمناورة، حيث يدرك صانع القرار الأوكراني أن استمرارية الدولة ومؤسساتها باتت رهينة بالميدان أولاً، وبالموقف الأمريكي ثانياً.

ولا شك أن الرغبة الأمريكية في إغلاق الجبهة الأوكرانية تنبع من قناعة بدأت تترسخ في دوائر صنع القرار بالبيت الأبيض، مفادها أن الاستمرار في تمويل حرب بلا سقف زمني هو انتحار سياسي واقتصادي، ولذا فإن الضغط الأمريكي الحالي على كييف للجلوس إلى طاولة المفاوضات هو ضغط وجودي لا يمكن رفضه.

وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، يبرز العجز الأوروبي في أوضح صوره منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

فعلى الرغم من الخطابات الحماسية الصادرة من بروكسل وباريس وبرلين حول ضرورة «هزيمة روسيا استراتيجياً» و«حماية قيم الديمقراطية»، إلا أن القارة العجوز تجد نفسها مكبلة بحقائق الجغرافيا والتبعية الدفاعية المطلقة لمظلة الحماية الأمريكية.

لذلك لم تستطع أوروبا، رغم كل محاولاتها، أن توجد «فرملة» لمسار الحل، أو رؤية مستقلة لتحقيقه بما يضمن مصالحها الأمنية بعيدة المدى بمعزل عن الرؤية الأمريكية.

وفي هذا المشهد، يبدو أن الانقسام الداخلي الأوروبي بين دول الشرق التي تخشى التمدد الروسي، ودول الغرب التي تخشى الانهيار الاقتصادي، جعل من القارة تابعاً ينتظر ما ستؤول إليه التفاهمات بين موسكو وواشنطن.

في المحصلة الأوروبية، هذه القارة تفتقر اليوم إلى القيادة الموحدة، والقدرة العسكرية المستقلة لفرض أي شروط، الأمر الذي جعل دورها يقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية والتحضير لمرحلة «إعادة الإعمار» المكلفة، فيما ترسم واشنطن وحدها حدود الخريطة الجديدة وصيغ التنازلات.

هذه المشهدية تشي لنا بأن آفاق إنهاء الحرب في أوكرانيا باتت ترتسم بوضوح من خلال «مثلث الضرورات»؛ ضرورة ميدانية لروسيا لتثبيت مكاسبها مع عدم اضطرارها لاستنزاف إضافي، وضرورة سياسية لأمريكا للخروج من مستنقع التمويل المفتوح، وضرورة حياة لأوكرانيا التي تواجه شتاءً قد يكون الأخير في ظل الانهيار الطاقي، ووجود في ظل التقدم الميداني الروسي المتسارع.

هذا التلاقي في الضرورات المتناقضة يرجح كفة «السلام الاضطراري».

وبما أن واشنطن هي الممول والداعم الأساسي، فإن إرادتها في «إنجاز» الحل ستتغلب في النهاية على التحفظات الأوروبية الخجولة.

نحن أمام مرحلة يتم فيها استبدال لغة المدافع بلغة الخرائط والمساومات، حيث سيُجبر الجميع على قبول تسويات كانت مستحيلة قبل عامين، ليس لأنها مثالية، بل لأن بديلها هو الانهيار الشامل للدولة الأوكرانية تحت وطأة الثلج والتقدم الروسي الذي لا يتوقف.

في النهاية، يبدو أن التاريخ سيسجل أن الحرب في أوكرانيا لم تنتهِ بانتصار عسكري حاسم لأي طرف، بل انتهت بقرار سياسي دولي اتخذته واشنطن وفرضته الجغرافيا الروسية وصمتت عنه أوروبا مضطرة.