لطالما وصفت باكستان بأنها نموذج محير، لجهة أنها دولة ذات جيش قوي وصاحبة ترسانة نووية وقاعدة علمية قوية، لكنها في الوقت نفسه تشكو من اقتصاد مترهل، وعانت طويلاً، ولا تزال، من عجز تجاري متزايد بسبب فواتير الواردات المتصاعدة، فمثلاً عجزها التجاري في عام 2022 شهد ارتفاعاً بأكثر من 115 بالمائة.
وهذا، علاوة على أن انخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال تلك الفترة إلى نحو 2 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، تسبب في انخفاض حاد في احتياطيات النقد الأجنبي، وتدهور خطير في قيمة الروبية الباكستانية مقابل الدولار.
هذه الصورة الباهتة تبدو اليوم في طريقها إلى التغير، بعدما قررت إسلام آباد أن تعالج مشاكلها الاقتصادية المزمنة من خلال تصدير السلاح كمصدر رئيسي للدخل (يبلغ إجمالي صادرات باكستان 37 مليار دولار سنوياً وتهيمن عليها المنسوجات والمنتجات الزراعية)، أو بمعنى آخر التحول إلى مورد دفاعي متوسط الحجم، خصوصاً أن باكستان تتمتع بصناعة عسكرية متطورة قياساً بغيرها من دول العالم الثالث، وإذا ما تحقق لها ما تسعى إليه، كلياً أو حتى جزئياً، فإن تداعيات ذلك سوف تتجاوز المجال العسكري إلى إعادة تشكيل ميزان المدفوعات، وتخفيف ضغوط التمويل الخارجي، وتعزيز القاعدة الصناعية للبلاد، وتحسين الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.
هذا ناهيك عن إمكانية تحول باكستان إلى لاعب ذي تأثير سياسي ودبلوماسي في ساحات الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى وغيرها من مناطق الصراعات.
تشير طلبات التصدير المتوقعة للسلاح الباكستاني المنشأ إلى احتمال وصولها إلى 13 مليار دولار في العام الجاري كثمرة من ثمرات صفقات عسكرية وشراكات استراتيجية مع دول مثل السعودية والسودان وليبيا وبنغلاديش وأذربيجان وإندونيسيا وإثيوبيا ونيجيريا وميانمار.
وهذا الرقم يمثل أكثر من 80 بالمائة من احتياطات باكستان الحالية من النقد الأجنبي، ونحو 4 بالمائة من ناتجها المحلي الإجمالي.
كما أنه يعني أن البلاد قد نجحت في نزع ردائها التاريخي القديم كدولة تعتمد في بقائها على المساعدات الخارجية، وتعزز تلك المساعدات بصادرات دفاعية هامشية ومتقطعة وعرضية.
فطبقاً لبيانات الأمم المتحدة حول التجارة الدولية، صدرت باكستان في عام 2024 ما قيمته 22.5 مليون دولار فقط من السلاح المصنع محلياً.
وهذا الرقم صغير جداً قياساً بما هو متوقع اليوم وفي السنوات المقبلة، خصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار أن صفقات السلاح عادة ما تتضمن مسائل مثل الصيانة وقطع الغيار والتدريب والتجديد، ما يعني مداخيل إضافية مستمرة.
تشمل الصادرات الدفاعية الباكستانية حالياً الطائرات المقاتلة (مثل جيه إف ــ 17 بلوك ــ 3) وطائرات التدريب النفاثة (مثل كاراكورام ــ 8، التي جرى تطويرها بمشاركة الصين) والمركبات المدرعة المضادة للدبابات (مثل المركبة ماز) والطائرات المسيرة (مثل شاهبار ــ 2) والمنصات البحرية والذخائر، وهذه تسوقها إسلام آباد كبدائل فعالة ومعقولة التكلفة قياساً بكلفة السلاح المستورد من الدول الغربية وروسيا والصين، ما يجعلها ذات جاذبية للدول الفقيرة والبلدان الخاضعة لقيود استيراد السلاح الغربي لأنها تجمع ما بين الكفاءة والأسعار التنافسية.
لقد احتكرت الدولة الباكستانية على مدى تاريخها صناعة السلاح وتصديره، ولا تزال تفعل ذلك من خلال القطاع العام، خلافا لما يجري في دول الغرب المتقدمة، لكن هناك اليوم توجه تدريجي جاد ــ بحسب بعض المراقبين وخبراء السلاح ــ نحو تصنيع السلاح ضمن نظام جديد مختلط بين القطاع العام والقطاع الخاص، وبدعم من مجمع باكستان للطيران (PAC)، والصناعات الثقيلة في تاكسيلا (HIT)، ومصانع الذخائر الباكستانية (POF)، وأحواض بناء السفن والأعمال الهندسية في كراتشي (KSEW).
وهذا إنْ حدث، فسوف يسهّل للقطاع الخاص العمل كمقاول مهمته توريد الأجزاء الدقيقة لصناعة السلاح مثل المكونات الإلكترونية والبرمجيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي، علاوة على الخدمات الهندسية واللوجستية ذات الصلة، كما يعطي مزيداً من الفرص للجامعات ومراكز الأبحاث لجهة التطوير والتحديث والابتكار، والتوصل، ربما عرضاً، إلى أنظمة وبدائل واكتشافات يمكن استخدامها من قبل القطاع الصناعي المدني في النمو والتطوير.