«القمة ».. المعرفة كعملة جديدة للقوة

في عالم تتسارع فيه التحولات، وتتعمق الأزمات، تبرز القمة العالمية للحكومات بوصفها ظاهرة تستحق التأمل الفكري العميق، فما يحدث في دبي سنوياً ليس مجرد تجمّع بروتوكولي، بل هو مختبر حي لتشكيل ملامح القوة في القرن الحادي والعشرين.

وفي زمن الاستقطاب والصراعات المتلاحقة، تطرح القمة سؤالاً جوهرياً: هل يمكن لاستشراف المستقبل أن يتحول إلى عملة جديدة للتأثير الدولي؟ وهل تمتلك المعرفة الاستشرافية القدرة على إعادة تعريف مفهوم القوة الناعمة ذاته؟

منذ انطلاقتها في عام 2013، كانت رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، تطمح إلى بناء «فضاء عالمي مشترك» للحوكمة، فضاء يعيد تعريف معنى التعاون الدولي، فضاء محايد يتجاوز الأيديولوجيات والمصالح الضيقة، ليتحول إلى منصة معرفية غير ربحية تجمع أكثر من 140 دولة و42 ألف مشارك سنوياً، والتحول من «القمة الحكومية» المحلية إلى «القمة العالمية للحكومات» لم يكن مجرد تغيير في المسمى، بل كان إعلاناً عن ميلاد نموذج جديد للدبلوماسية، دبلوماسية لا تسعى لفرض قوالب فكرية واقتصادية، بل لإلهام العقول وتمكينها من رسم ملامح المستقبل بشكل تشاركي، وهنا تكمن الإشكالية الفكرية الأعمق: كيف يمكن لمنصة حوارية أن تتحول إلى أداة تأثير استراتيجي في عالم لا يزال يؤمن بمنطق القوة الصلبة؟

الإجابة تكمن في سَك عملة جديدة للتأثير، عملة جديدة للقوة، وهي «المعرفة الاستشرافية»، فبدلاً من الصفقات التجارية والتحالفات العسكرية التقليدية، أصبحت الشراكات تبنى على أساس تبادل البيانات والتقارير البحثية والحلول المبتكرة التي تعالج التحديات المشتركة، وتحولت الجلسات الحوارية إلى ورش عمل لصياغة سياسات الغد، وأصبح الذكاء الاصطناعي والتغير المناخي والاقتصادات الجديدة لغة مشتركة تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، فالقمة في جوهرها، تقدم فرضية مفادها أن من يمتلك القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة حول المستقبل، وتوفير منصة للإجابة عنها، هو من يمتلك القوة الحقيقية اليوم، وهذا التحول من «قوة الفعل» إلى «قوة الفكر» يمثل نقلة نوعية في فهم التأثير الدولي، ويعيد تعريف معنى الريادة في عصر المعرفة، فهو انتقال من دبلوماسية المصالح الآنية إلى دبلوماسية الرؤى المستقبلية المشتركة.

لكن يبقى السؤال: هل يمكن لهذا النموذج أن يتجاوز حدود التنظير الفكري ليصبح واقعاً ملموساً يلامس حياة الشعوب؟ هنا يبرز التحدي الأكبر، وهو الانتقال من الحوار إلى الحلول، ومن الأفكار إلى السياسات القابلة للتطبيق، ومع ذلك تبدو المؤشرات مبشرة وتؤكد جدية هذا التوجه، فإطلاق مبادرات عملية كجائزة أفضل وزير في العالم التي تحتفي بالتميز الحكومي، ومعرض ابتكارات الحكومات الخلاقة الذي يحول الأفكار إلى مشاريع قابلة للتطبيق على أرض الواقع، وربط مخرجات القمة بأجندات عالمية ملحة مثل الازدهار الاقتصادي والفرص الناشئة، مستقبل المدن والتحولات السكانية، كلها دلائل على أن القمة لم تعد مجرد منتدى فكري، بل أصبحت محركاً حقيقياً للتغيير على أرض الواقع، إنها عملية تحويل «الطاقة الفكرية» الكامنة في القمة إلى «طاقة حركية» تدفع عجلة التنمية العالمية بشكل ملموس، وهذا التحول من المجرد إلى الملموس هو ما يمنح القمة مصداقيتها وقوتها في عالم يتجه نحو المستقبل.

ما تقدمه القمة العالمية للحكومات يتجاوز كونه نجاحاً إماراتياً، ليصبح نموذجاً لإعادة تعريف العلاقات الدولية في عصر المعرفة، فحينما تصبح المعرفة الاستشرافية عملة متداولة بين الحكومات، وحينما يتحول الحوار حول المستقبل إلى جسر يربط الشعوب ويذيب الفواصل والتحديات، تتشكل ملامح دبلوماسية جديدة تليق بالقرن الحادي والعشرين، دبلوماسية لا تقاس قوتها بحجم الاستثمارات أو عدد الاتفاقيات فحسب، بل بقدرتها على زعزعة الثوابت القديمة وإعادة ترتيب أولويات الإدارة في زمن إعادة تشكيل موازين القوة، والقمة في هذا السياق، ليست مجرد منصة لتبادل الخبرات، بل هي مساحة لإعادة التفكير في معنى السلطة ذاته، فالعالم الذي يتشكل اليوم لن يكون رهينة لمن يملك أكبر ترسانة أو أضخم اقتصاد، بل لمن يمتلك القدرة على قراءة المستقبل وتشكيله، وحينما تنجح دبي في تحويل استشراف المستقبل إلى فعل سياسي وثقافي، فإنها لا تصنع حدثاً سنوياً فحسب، بل تصنع وعياً جديداً بإمكانيات الحوكمة في القرن الحادي والعشرين، وعي يدرك أن القوة الحقيقية لا تكمن في السيطرة على الحاضر، بل في القدرة على ابتكار الغد وإلهام الآخرين للمشاركة في بنائه.