وصلتني قبل أيام نسخة مهداة وموقعة من رواية «حمى داخلية» للكاتبة الإماراتية «سارة سالم»، صدرت مؤخراً عن دار ملهمون للنشر والتوزيع، وكانت قراءتي لهذه الرواية الصاخبة اجتماعياً أشبه بعودة إلى أصوات أعرفها جيداً، إنها أصوات البيت الإماراتي، فخلال الصفحات الأولى، بدت اللهجة الإماراتية حاضرة بقوة، كجذر يحمل المعنى ويصنع الإيقاع ويقود السرد.
الكتابة باللهجة المحلية في الأدب الإماراتي تفتح باباً واسعاً لفهم أعمق للعلاقة بين اللغة والهوية. فاللهجة تحمل الذاكرة اليومية كما هي، بكل ما فيها من بساطة وحرارة وصدق.
كلمات مثل: شخبارك، ريوق، فديتج، سحبي كرسي، يسوون سوالف، تؤدي وظيفة تواصلية وأيضاً تنقل مناخاً اجتماعياً كاملاً، وتستدعي سياقاً إنسانياً لا يمكن استحضاره باللغة المعيارية وحدها.
اللهجة الإماراتية في «حمى داخلية» هي مساحة اعتراف تكشف الداخل الإنساني للشخصيات.
فالحوار باللهجة يمنح الشخصيات حرية في التعبير، ويجعل القارئ قريباً منها، كأنه يجلس معها في غرفة واحدة، وهذا القرب النفسي عنصر أساسي في نجاح السرد، لأن اللغة حين تخرج من الفم كما تُقال في الحياة، تصل إلى القلب دون حواجز.
أهمية توظيف اللهجة المحلية في هذه الرواية وفي الأدب عموماً تتجاوز البعد الجمالي إلى بعد ثقافي ومعرفي، فالرواية المكتوبة باللهجة الشعبية هي وثيقة اجتماعية، فهي تحفظ تفاصيل الحياة اليومية، وأنماط التفكير، وطريقة النظر إلى العلاقات، وإلى الجسد، وإلى العائلة، وإلى التحولات. المفردة الشعبية تحمل تاريخاً شفهياً طويلاً، وتعمل كأرشيف حي لذاكرة المجتمع.
أدهشني أن «سارة سالم الطنيجي» في هذه الرواية تتعامل مع اللهجة بوعي عميق، فالنص لا يثقل القارئ بالمفردات الفصيحة «المقعرة»، بل يوازن بين السرد والفكرة، وبين الإحساس والبناء الفني، ولهجة الحوارات الإماراتية تتحرك داخل النص بسلاسة، وتخدم الحالة الوجودية للشخصيات، وخاصة في التعبير عن القلق، والاحتقان الداخلي، والصراع بين ما يُقال وما يُكتم.
«حمى داخلية»، ومع التعقيدات الاجتماعية التي عرضتها، من واقع المجتمع الإماراتي والخليجي، تنتمي إلى جيل جديد من الكتابة الإماراتية التي ترى في اللهجة أداة تفكير، فالنص يكشف أن الهوية تتشكل في اللسان، وفي النبرة، وفي الطريقة التي نروي بها قصصنا لأنفسنا قبل أن نرويها للآخرين.
تجربة «سارة سالم» في توظيف اللهجة الإماراتية تنتمي إلى مسار إبداعي مهّد له أدباء إماراتيون اشتغلوا مبكراً على استحضار اللسان المحلي بوصفه حاملاً للذاكرة والمكان.
وعلى ما تسعفني به ذاكرتي، فقد قدّم «علي أبو الريش»، صاحب لقب «راوي المكان»، في أعماله الروائية، مثل «الغرفة 357» و«زينة الملكة»، كتابة مشبعة بروح البيئة الإماراتية، حيث تتسرّب المفردة المحلية في السرد لتكشف علاقة الإنسان بالمكان والقدر والتحوّل.
وكذلك فتحت «سارة الجروان»، عبر روايتها «شجن بنت القدر الحزين»، أفقاً لربط السرد الروائي بالهوية والتراث، مؤكدة حضور الصوت النسائي في استعادة الذاكرة الاجتماعية. أما «محمد المر»، فقد جعل من قصصه القصيرة، ولا سيما «حكايات دبي»، سجلاً حياً لتفاصيل الحياة اليومية، حيث تتحرك اللهجة بخفة وصدق داخل المشهد الاجتماعي.
وذهب «ثاني السويدي» في «الديزل» إلى تجربة سردية أكثر جرأة، تداخل فيها الموروث الشعبي مع أسئلة الوجود والهوية، كما استحضرت «هدى سرور» في روايتها «الياه» ذاكرة اجتماعية غنية، جعلت اللهجة جزءاً من النسيج العاطفي للنص، وضمن هذا المسار المتراكم، تأتي تجربة سارة سالم امتداداً ناضجاً لتقليد أدبي إماراتي يرى في اللهجة أداة وعي، ومساحة تعبير، وجسراً يصل الأدب بالبيت والشارع والذاكرة الحية.
هذا التوظيف يضع الرواية الإماراتية ضمن سياق عالمي أوسع، فكثير من التجارب الأدبية الكبرى اختارت اللهجة المحلية لتكون أداة سردية أساسية، «مارك توين» مثلاً كتب بلهجة الجنوب الأمريكي ليكشف التفاوت الاجتماعي، وكذلك «يون فوسه» كتب بلغة «نيونورسك» ليحفظ الذاكرة الريفية النرويجية، وأيضاً «نجيب محفوظ» طوّع الحوار ليحمل روح الحارة المصرية، و«الطيب صالح» جعل اللهجة السودانية بوابة لفهم المكان والإنسان، ولذلك، تأتي «حمى داخلية»، في هذا المسار، وكل الأعمال الأدبية التي تقصد حفظ التراث وحمايته، لتؤكد أن اللهجة الإماراتية قادرة على حمل الأسئلة الكبرى، وأنها قادرة على التعبير عن القلق الوجودي، وعن التحولات النفسية والاجتماعية، بعمق وصدق.
وجهة نظري أن توظيف اللهجة الإماراتية في الأدب هو فعل ثقافي واعٍ، يسهم في حماية التراث الشفهي والهوية الإماراتية، ويمنح الأدب المحلي صوته الخاص في المشهد العربي والعالمي، فالرواية باللهجة المحلية الشعبية تفتح باب الحوار مع الآخر من موقع الثقة بالذات، ومن احترام الخصوصية.