عصر الضجيج ينتج فقر المعرفة

في عالمٍ يتسارع فيه الانفجار الاتصالي على نحو غير مسبوق، لم تعد الكلمة تقع في مجال التروي، أو مساحات التفكير الهادئ، بل أصبحت في كثير من الأحيان حدثاً لحظياً عابراً يختلط فيه الصوت بالضجيج، وتتراجع فيه المعايير لصالح الإثارة، ويغيب فيه التحقق لصالح السبق، وتتضخم فيه الأنا إلى حد الانفجار، فتتحول الحقيقة المزيفة إلى مادة استهلاكية سريعة التداول.

في هذا المناخ لم يعد التفريق سهلاً لدى كثيرين، بين الرأي والمعرفة، ولا بين النقد والتشهير، ولا بين الاختلاف المشروع، والهجوم الشخصي. وتسللت السطحية إلى قلب النقاش العام، حتى صارت هي القاعدة لا الاستثناء، وتقدمت الانفعالات على حساب التفكير، وغدت القضايا الكبرى تُختزل في عناوين مثيرة، وتُقاس بمؤشرات التفاعل، لا بميزان المنطق. ومع كل اختلاف، تفقد الكلمة دورها التنويري، وتتحول من أداة للفهم إلى أداة للاستهلاك والاستقطاب، وتغدو الساحة العامة أقرب إلى سوق مفتوح للانفعالات.

من أخطر ما يترتب على هذا المشهد الضجيجي المتواصل، أن قوى النقد الموضوعي تتعطل تدريجياً، فالمتلقي يعيش في مساحة مكتظة بالاستجابات السريعة، لا تمنحه الزمن الكافي للتفكير، ولا تتيح له المسافة الضرورية للتأمل.

وفي السياق العربي، يتضاعف ثقل هذه الإشكالية، لأن الانفجار الاتصالي جاء فوق بنية ثقافية ومؤسسية لم تكتمل بعد، فضعف الثقة بالمؤسسات، وغياب الإطار الاجتماعي القادر على تنظيم النقاش العام، فتحا المجال لهيمنة المنابر الرقمية التي لا تخضع في معظمها لمعايير مهنية.

الصوت المنبري بصيغته الجديدة لم يعد محصوراً في الخطب التقليدية أو المنابر السياسية، بل صار يتجسد في كل حساب نشط، يتعامل على قدر عقله، وكل منصة صاخبة، وكل مقطع فيديو قادر على الانتشار في ثوانٍ، يحمل الكثير من التعصب. إنه خطاب يقوم في الغالب على الإثارة، وعلى العاطفة لا على البناء المنطقي، وعلى استدعاء الغضب، لا على تفهم التعقيد.

يضاف إلى ذلك الدور الحاسم الذي تلعبه الخوارزميات الرقمية في تعميق هذه الظاهرة؛ فهي لا تُصمَّم للتحقق من المعنى، بل لتعظيم التفاعل، وكلما كان المحتوى أكثر تطرفاً أو تعصباً ارتفعت فرص انتشاره. وبهذا المعنى لا يصبح الضجيج مجرد سلوك اجتماعي، بل نتيجة بنية ثقافية، تكافئ الاستقطاب وتعاقب الاعتدال، وتدفع الخطاب العام نحو الحواف الخطرة التي قد تؤدي إلى الخلاف الضار.

النتيجة الطبيعية لهذا المشهد، هي إرباك الرأي العام، وتضليله، وإغراقه في تفاصيل لا تقوده إلى فهم للواقع، بل إلى مزيد من التشويش. وحين يتحول كل رأي إلى «حقيقة» في نظر أصحابه، يختل ميزان التمييز، ويغيب الفرق بين الصواب والخطأ، ويصبح الصراع لا بين فكرة وفكرة، بل بين يقينين منغلقين، لا يعترف أحدهما بالآخر.

الخروج من هذا المأزق لا يكون بالحنين إلى زمن مضى، ولا بإدانة التكنولوجيا بوصفها شرّاً مطلقاً، بل بإعادة بناء العلاقة بين الكلمة والمسؤولية. وهنا تبدأ المهمة من التعليم، حيث ينبغي أن يتعلم الطالب منذ وقت مبكر التفكير النقدي، لا التلقي السلبي، والتمييز بين الخبر والرأي، وبين المعلومة والإشاعة. وتمتد إلى الإعلام الذي عليه أن يستعيد دوره باعتباره وسيطاً معرفياً، لا مجرد ناقل للإثارة، وترويج نظريات المؤامرة، وأن يقدم المعلومة في سياقها، ويوفر أدوات الفهم لا مجرد لفت الانتباه، ويحترم الرأي الموضوعي.

كما تشمل النخب الفكرية نفسها التي يُطلب منها اليوم أن تجد لغة جديدة للتواصل مع الجمهور، لا تتخلى فيها عن العمق، ولكن تخاطب الناس بوضوح، دون تعالٍ بلغة يفهمها، وأن تعيد الاعتبار لفضيلة الإبطاء في التفكير، مقابل هذا الاستعجال الجارف في إطلاق الأحكام. فالمجتمع لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات، بقدر ما يحتاج إلى مزيد من تحكيم العقل.