المسألة العرقية ليست بعيدة عما يجري في فنزويلا. بل لعلها أحد المداخل المهمة لفهم رد فعل الفنزويليين في الداخل والخارج إزاء ما يحدث لبلادهم.
فمن تابع مشاهد الفنزويليين المحتفلين باعتقال مادورو بمدينة ميامي وغيرها من المدن الأمريكية لابد وأن يلاحظ فوراً أنهم باستثناءات قليلة من أصحاب البشرة البيضاء! وفنزويلا مثلها مثل بلدان كثيرة في العالم لا يقوم فيها التمييز على أساس عرقي، بالمعنى الحرفي، بقدر ما يقوم على أساس لون البشرة، أو بالأحرى، درجة ذلك اللون. فكلما اقتربت البشرة من اللون الأبيض، قل الانحياز ضد صاحبها. وهو انحياز في جوهره نتاج للاستعمار بتاريخه الممتد منذ القرن السادس عشر.
ففي المراحل الأولى من استعمار فنزويلا، جلب المستعمرون الأفارقة للعمل كـ«عبيد» في الزراعة. عندئذ تم غرس بذور العنصرية. وفي المراحل الاستعمارية اللاحقة، سيطر الأوروبيون على المناصب السياسية وعلى الكنيسة، بينما امتلك الأرض أحفاد الأوروبيين الذين ولدوا على أرض فنزويلا، أو من باتوا يعرفون «بالكريول».
أما المختلطون، أو «المستيزو»، أي الذين ينحدرون من أصول اختلطت فيها دماء الفنزويليين الأصليين بدماء العبيد والأوروبيين، فلم يمتلكوا في بلادهم أرضاً ولا نفوذاً على الإطلاق.
وقد ظلت فنزويلا ترزح تحت حكم الاستعمار حتى بدايات القرن التاسع عشر حين قاد الثورة سيمون بوليفار، الذي ينتمي للكريول.
لكن نخبة الكريول سرعان ما سحبت عنه تأييدها، بينما وقف المستيزو وعامة الكريول وراءه. وثروة فنزويلا النفطية جعلتها مطمعاً حتى بعد رحيل الاستعمار. فشركات النفط الأوروبية والأمريكية حاربت بضراوة ضد محاولات توزيع الثروة على نحو يضمن للفنزويليين نصيباً من ثروات بلادهم.
وقد أدت تلك التعقيدات لحقب طويلة من المعاناة لأغلبية الفنزويليين، حتى أن القرن العشرين شارف على الانتهاء بينما أكثر من نصف السكان يعيشون تحت خط الفقر في بلد غني بثرواته الطبيعية.
لكن تحولاً راديكالياً طرأ على فنزويلا بعد انتخاب هوغو شافيز رئيساً عام 1998. فهو قاد ثورة اجتماعية حقيقية أعادت توزيع الثروة والدخل، وحققت له شعبية كاسحة ظل يتمتع بها طوال فترة حكمه الطويلة التي امتدت حتى توفي عام 2012. وهي الشعبية التي ساندته رغم محاولات التخلص منه والانقلاب عليه بدعم من أمريكا. بل أعادته تلك الشعبية للحكم بعد أقل من 48 ساعة من الإطاحة به فعلياً عام 2003.
شافيز لم يقم فقط بتأميم النفط وإنما قام أيضاً بتأميم شركات الأسمنت والحديد والكهرباء والاتصالات. وهو استخدم ثروات البلاد للإنفاق الواسع على البرامج الاجتماعية كالصحة والغذاء والمعاشات والتعليم، حتى أن فنزويلا أعلنت في عهده القضاء التام على الأمية.
لكن شعبية شافيز الكاسحة لم يكن مصدرها فقط تلك البرامج الاجتماعية، وإنما تعود في جانب كبير منها لإعلانه صراحة، أن أصوله ترجع للأفارقة الذين أتوا كـ«عبيد». وقد تعرض الرجل لهجوم عنصري ضار من الطبقات العليا بالمجتمع التي كانت الخاسر الأول من سياساته، فناصبته العداء. وكان فخره بأصوله الأفريقية سبباً إضافياً لكراهيتهم لهم إذ اعتبروه ليس منهم وإنما «يشبه الطبقة العاملة»، أي المستيزو الذين كانوا أكثر المستفيدين من البرامج الاجتماعية.
حين تولى نيكولاس مادورو، اتبع خطى شافيز إلى أن فرضت العقوبات الاقتصادية نفسها، فجفت موارد الدولة. عندئذ، تقلصت البرامج الاجتماعية، وباتت الحكومة تسعى للسيطرة على الاحتجاجات عبر القمع الذي عانى منه المستيزو أكثر من غيرهم.
لذلك كان موقفهم من اعتقاله أكثر تركيباً من مواطنيهم الذين هاجروا لأمريكا. فهم عانوا من قمعه وشح الموارد في عهده. ولكنهم في الوقت ذاته يدركون جيداً معنى السيطرة الاستعمارية على ثروات بلادهم.
أما الفنزويليون بأمريكا الذين احتفلوا بسقوط مادورو فهم من الطبقات الأعلى والذين يقترب لونهم من الأبيض ممن رحلوا قبل الأزمة الاقتصادية لأنهم كانوا ضد ثورة شافيز الاجتماعية أصلاً. وهي موجة هجرة تختلف كثيراً عن موجات الهجرة غير الشرعية التي تلت الأزمة الاقتصادية وضمت الفقراء «المستيزو» الباحثين عن لقمة العيش.
بعبارة أخرى، فإن لون بشرة المحتفلين في شوارع الولايات المتحدة يفضح قصة تاريخ طويل من النهب الاستعماري لثروات فنزويلا، ومعه تاريخ من التمييز والعنصرية كان للاستعمار دور رئيسي في صنعه.