الأزمات مقياس الأخلاق

في أوقات الرخاء كل الناس مهذبون ومتسامحون ومتعاونون وعلى أخلاق راقية، فعندما تكون الشوارع فارغة، والزحام فيها قليلاً ترتقي أخلاق قيادة السيارات، وتتسامى سلوكيات البشر، وعندما يتوفر كل شيء لا يظهر التنافس، ولا التحاسد.

ولا الطمع والجشع إلا عند عدد محدود من الأنفس المريضة. ولكن عندما تظهر أزمات من أي نوع تتغير كل هذه السلوكيات، فإذا ازدحمت الشوارع يقل معدل التسامح ويزداد الغضب والعنف في القيادة والرغبة في الاستحواذ على أمتار قليلة، وعندما تكون الأشياء نادرة يتنافس الناس، بل يتصارعون ويتحاربون وأحياناً يتقاتلون.

الحقيقة الإنسانية التي نلاحظها في كل المجتمعات أن الأخلاق تظهر درجتها وقيمتها في أي مجتمع فقط في أوقات الأزمات، عندما تكون هناك أزمة تظهر المعادن الحقيقية للبشر، عندما تضيق الأشياء، وتقل الاختيارات تظهر حقيقة التسامح والتعاون والإيثار. وعندما تظهر الخلافات بين الأفراد تظهر معادنهم، وتبرز طبيعة أخلاقهم، وقيمهم.

لذلك عدّ النبي صلى الله عليه وسلم أن واحدة من آيات المنافق الذي يظهر غير ما يبطن، يظهر الإيمان ويبطن عكسه، يظهر الخلق ويبطن عكسه، واحدة من آيات المنافق أنه إذا خاصم فجر، أي عندما يخاصم يفجر في خصومته بمعنى يتجاوز كل القيم والأخلاقيات، وينسى كل التاريخ المشترك، وكل العلاقات السابقة، وكل الروابط القديمة.

نحن في مجتمع الإمارات تظهر أخلاقنا الحقيقية في أوقات الأزمات، ومن يريد أن يعرف أخلاقيات شعب الإمارات فليلاحظها عندما تظهر أزمة، أو مشكلة مع أي طرف، ومع أي جهة.

حيث تجد الإماراتي عفيف اللسان، يحافظ على الأعراض، والكرامات، والمقامات لا يتعدى ولا يسب ولا يشتم وإذا اضطر لأن يدافع لا ينزلق لسانه إلى الألفاظ البذيئة، هذا هو السنع الإماراتي الحقيقي الذي هو راسخ في عاداتنا وتقاليدنا وينبغي أن نحرص على أن ننقله للأجيال القادمة.

نحن ندرك كمجتمع أن قيادتنا الرشيدة لا يرضيها إلا أن نحافظ على القيم المتوارثة، وعلى السنع الذي تربينا عليه. قيادتنا تريد من شعبها أن يقتدي بها، ولا يتجاوز في حق أحد.

قيادتنا تريدنا أن نكون نموذجاً أخلاقياً وإنسانياً راقياً، وأن ندرك أننا دولة استطاعت أن تختصر الزمن في تحقيق نهضتها الحضارية، فتدرك أن الزمن كفيل لتغيير كل شيء وأن الخصومات والصراعات والاختلافات هي مجرد لحظة عابرة، فلا نغرق في هذه اللحظة، وننسى الزمن القادم الذي سيكون فيه واقع غير الواقع الذي نعيشه، وحال غير الحال الذي نراه، والباقي في كل شيء هو القيم والأخلاق الراقية والسنع.