الذين وصفوا الصورة بأنها لا تكذب لم يبالغوا في شيء، والذين قالوا إن الصورة بألف كلمة لم يكذبوا في ما قالوه، وكانوا جميعهم يُعبّرون عن واقع الحال في المرتين.
فالصورة تظل ناطقة عما فيها، وتظل تتكلم دون حاجة إلى لغة، ولا إلى حروف، ولا إلى كلمات، وهي في ما تنطق به أو تتكلم عنه تبقى بألف كلمة، وربما أكثر. فالكلمات يمكن أن تخدع، ويمكن أن تناور، وأن تلف ثم تدور حول المعنى الذي تريد أن تسوقه إلى القارئ، ولكن الصورة على العكس تماماً، لأنها لا تفعل هذا أبداً.
وهناك الكثير من الصور التي نضرب بها المثل في هذا الاتجاه، وفي المقدم منها، صورة الفتاة الڤيتنامية التي فرت عاريةً أمام قنابل من النابالم، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تلقيها على ڤيتنام، وكان ذلك وقت اشتعال الحرب الأمريكية على ڤيتنام الشمالية، نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات.
تلك صورة دخلت التاريخ، واستقرت على صفحاته، لأن كل ما قيل أو سوف يقال عن الحرب الأمريكية هناك، أو عما ألحقته الحرب من أضرار لا حدود لها في المكان بالبشر والحجر، لا يمكن كله أن يساوي شيئاً أمام صورة تلك الفتاة. ففيها يتجسد كل شيء، وفي ملامح الذعر على وجهها، يقال كل ما يمكن أن يقال، وحالة الفرار المذعور التي التقطتها الكاميرا، لا يمكن إلا أن تكون بغير مثال ولا نظير، وقد كان فرار الفتاة، ولا يزال، يؤخذ على أنه فرار للبراءة أمام وحشية الحرب. وحشية كانت تحاصر الڤيتناميين الشماليين في كل ركن من أركان البلاد.
وليست تلك الصورة سوى مثال، وإلى جانبها صور أخرى كثيرة، بقيت كل واحدة منها علامة في موضوعها.. وهل ينسى أحد صورة الطفل محمد الدُرة في أرض فلسطين، كمثال آخر؟
فإذا انتقلنا إلى آخر الصور التي يمكن أن تلحق بما سبقها من صور في هذا الاتجاه، فمن الممكن أن نضع في هذا الإطار صورة لمارك روته، أمين عام حلف شمال الأطلنطي، وهو يتكلم يوم الاثنين 26 من هذا الشهر، أمام نواب البرلمان الأوروبي.
الصورة نقلتها وكالة الأنباء الفرنسية، وفيها يبدو روته وهو يتحدث أمام نواب البرلمان، رافعاً يده اليمنى بإصبع السبابة، كمن يحذر الذين هُم أمامه من شيء خطير، أو كمن ينذرهم، لعلهم يأخذون الحيطة والحذر، إذا سمعوا ما يقول.
الصورة بدت وكأنها تحذير لأوروبا كلها، أو للاتحاد الأوروبي كله، من جانب رجل يتولى الأمانة العامة للحلف العسكري الأكبر على مستوى القارة، بل وعلى مستوى العالم على امتداده. ولا بد أنه كذلك بالفعل، لأن حلف وارسو كان الحلف الوحيد الذي ينافسه، غير أنه تلاشى مع تلاشي واختفاء الاتحاد السوڤييتي السابق، مطلع تسعينيات القرن الماضي!
هذا عن الصورة التي طيرتها الوكالة، وهي عارفة ماذا بالضبط ترسل لجمهورها من متابعي صورها؟ ثم تعرف أي صورة على وجه التحديد تختار، وهي تنتقي من بين صور كثيرة للأمين العام؟ فالمؤكد أن مصور الوكالة التقط عدداً من الصور لمارك روته وهو يخاطب نواب البرلمان الأوروبي، ولكن هذه الصورة بالذات، أو تلك اللقطة أو الزاوية على وجه التحديد، هي التي قررت الإدارة المختصة في الوكالة أن تطيرها، لعل الذي يراها يفهم المعنى فيها.
أما المعنى فيشرحه أكثر وأكثر الكلام الذي قاله الأمين العام للحلف، وكان أهم ما قاله، إن أوروبا ليست قادرة على الدفاع عن نفسها بغير الولايات المتحدة الأمريكية، وأن أحداً في البرلمان أمامه، أو في القارة على اتساعها، إذا كان يتصور أن الأوروبيين قادرون على أن يدافعوا عن أنفسهم دون عون من الولايات المتحدة، فهذا الأحد في تقدير أمين عام حلف شمال الأطلنطي، شخص حالم!
من قبل كان الكلام الذي قاله مارك روته، قد قيل على ألسنة مسؤولين أوروبيين آخرين بصيغ مختلفة، وصور متعددة، ودرجات متفاوتة، ولكنها المرة الأولى التي يقال فيها بهذه الصراحة، التي تصل حد إحداث الصدمة لدى مستمعيها. إذ لا بد أن أي أوروبي يسمع هذا الكلام من أمين عام الحلف، سوف يُصاب بقدر كبير من الألم، ومن الحزن، وربما من الاكتئاب.
هذا عن آحاد الناس بين الأوروبيين، أما الساسة في عواصم الاتحاد فسوف يشعرون أن روته قد صدمهم، كما لم يصدمهم أحد من قبل، وقد جعلهم يقفون كما يقف الشخص أمام وحش يتهدده، بينما ظهره إلى الحائط!
عاش الأوروبيون يعتقدون أنهم قادرون على الدفاع عن أنفسهم، وعاشوا يراهنون على ذلك أمام أي خصم لهم أو عدو، خصوصاً إذا كان هذا الخصم هو روسيا الاتحادية، فإذا بأمين عام حلفهم العسكري الكبير، يضع الحقيقة أمامهم عارية، بلا رتوش تُداري، أو ألوان تُجمّل، أو أصباغ تُخفي عن العيون.