حماية الطفل رقمياً

نعيش في عصر رقمي سريع الإيقاع، تصلنا فيه المعلومة بلمح البصر بفضل انتشار التطبيقات والبرامج والمواقع الإلكترونية، في ظل هذا العالم المتسارع، لم يعد الخطر واضحاً، وأحياناً يأتينا ملوناً ومغلفاً بالموسيقى والضحكات، ويطل بهيئة شخصيات كرتونية مألوفة، وأغانٍ قصيرة يسهل حفظها، ورسوم توحي بالبراءة.

لسنوات طويلة، اعتدنا أن نطمئن إلى كل ما يحمل تصنيف «محتوى أطفال»، كأن ذلك كافٍ ليمنحنا الشعور بالأمان، ولكن الواقع اليوم أكثر تعقيداً. فبعض ما يُقدم للصغار لم يعد يحاكي عالمهم، ولا لغتهم، ولا إيقاع طفولتهم. بل يسبقهم إلى أسئلة لم يحن وقتها، ويزاحم براءتهم بمفاهيم أكبر من قدرتهم على الفهم والتمييز، وذلك عبر رسائل مبطنة تتسلل بهدوء، وتُعاد عشرات المرات حتى تصبح مألوفة. فالطفل قد لا يفهم المعنى، ولكنه يعتاد الإيقاع، الحركة، النبرة، وطريقة التفاعل. ومع الوقت، يتغيّر شيء ما في داخله دون أن يلتفت أحد إلى ذلك.

في ظل ضغوط الحياة قد لا يكتشف الكثير من الآباء خطر المحتوى الرقمي على أطفالهم، وقد لا يلحظون علامات التغيير الذي يبدأ من كلمة جديدة، أو سؤال غير متوقع، أو سلوك غريب، لنبدأ بعدها بالبحث عن الأسباب، وغالباً ما يكون الجواب موجوداً في مقطع مصور أو ضمن أغنية بدت بريئة في ظاهرها.

في السنوات الأولى، يتعلم الطفل بالقدوة أكثر من الشرح، وبالتكرار أكثر من التوجيه. لذا حين يتعرض لمحتوى لا يراعي نضجه الانفعالي والمعرفي، لا يكون الأمر مجرد تسلية وإنما تشويشاً هادئاً قد يربك فهمه للذات والآخرين، فالمحتوى الموجه للأطفال ليس ترفيهاً فقط، وإنما أداة تشكيل نفسي وثقافي. وهنا تكمن مسؤوليتنا نحن الكبار، وتصبح المراجعة البشرية، والمعايير الأخلاقية، والرقابة ضرورة لا خياراً. لأن الخوارزميات لا تفرق بين الطفولة والنضج، ولا تميّز بين ما يُضحك الطفل، وما قد يؤذيه.

مسار:

حماية الطفل رقمياً لا تعني المنع أو الخوف من التكنولوجيا، وإنما تتطلب الحضور الواعي وعدم الاكتفاء بالتصنيف فقط.