تسخير النفايات في حلول أمن الطاقة

مع اختتام أعمال القمة العالمية لطاقة المستقبل في أبوظبي، يبرز التحدي الذي تواجهه منظومة الطاقة العالمية في ضوء الارتفاع المتواصل في الطلب على الطاقة، مدفوعاً بالنمو السكاني، واتساع القاعدة الصناعية، وتسارع اعتماد التقنيات الحديثة.

فقد أدت الطفرة في الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات المتقدمة، والاقتصاد الرقمي إلى تغييرات ثورية في أنماط الإنتاج والابتكار، لكنها في الوقت ذاته زادت العبء على أنظمة الطاقة حول العالم.

تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الاستثمارات العالمية في قطاع الطاقة قد تبلغ نحو 3.3 تريليونات دولار، يوجَّه منها قرابة 2.2 تريليون دولار إلى التقنيات والبنى التحتية للطاقة النظيفة.

ويعكس هذا الحجم من الاستثمار اعترافاً متزايداً بأن أمن الطاقة لم يعد يُقاس فقط بتوفرها، بل بمرونة المنظومات، وتعدد المصادر، والكفاءة التشغيلية طويلة الأمد.

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، تتجلى هذه التحولات العالمية مع النمو ملحوظ في الطلب على الكهرباء، نتيجة التوسع العمراني، وتنويع الاقتصاد، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، ما يفرض الحاجة إلى حلول طاقية قادرة على تلبية هذا النمو من دون إبطاء مستهدفتنا الوطنية في تعزيز الاستدامة.

ويستدعي هذا الواقع تبني نظرة أوسع لمنظومة الطاقة، لا تقتصر على المصادر التقليدية، بل تستكشف موارد أخرى غير مستغلة بشكل كافٍ، بما يعزز إمدادات الطاقة على المدى الطويل.

لا تزال النفايات تُدار في كثير من الأحيان بوصفها التزاماً تنظيمياً أكثر من كونها مورداً استراتيجياً في أنظمة الطاقة.

وغالباً ما يتركز الاهتمام على تقليص الأثر البيئي بها بمعزل عن تبني نماذج متكاملة تخلق قيمة اقتصادية وبيئية في آن واحد.

وقد جرى التعامل مع النفايات لسنوات طويلة باعتبارها نهاية دورة الاستهلاك، في حين أنها تمثل في الواقع مصدراً غنياً بالقيمة غير المستغلة.

وتحمل النفايات بمختلف أشكالها مواد وموارد ثانوية يمكن استعادتها واستخدامها، بما يسهم في خفض الانبعاثات، والحفاظ على الموارد المحدودة، وتقليل الاعتماد على المواد الأولية، ودعم بناء اقتصاد أكثر استدامة وازدهاراً.

وفي هذا الإطار، توفر حلول تحويل النفايات إلى طاقة فرصة لمعالجة تحديين رئيسيين في آن واحد، يتمثلان في تقليص الاعتماد على المكبات وتعزيز أمن الطاقة.

وفي أبوظبي، يجري ترجمة هذا التوجه إلى واقع من خلال دمج تحويل النفايات إلى طاقة ضمن البنية التحتية تجمع بين إدارة النفايات وإدارة الموارد.

وتعد منشأة الظفرة التي يجري تطويرها حالياً مثالاً واضحاً على ذلك، ومن المتوقع أن تتمتع بطاقة تشغيلية لمعالجة ما يصل إلى 900 ألف طن من النفايات سنوياً وتحويلها إلى كهرباء تكفي لتزويد عشرات الآلاف من المنازل، إلى جانب تقليص كميات كبيرة من النفايات التي كانت تُرسل إلى المكبات.

غير أن تحقيق الأثر المطلوب يتطلب أكثر من مجرد منشآت، إذ يتطلّب تحقيق الأثر تفعيل أنظمة عملية موثوقة، قابلة للتطبيق واسع النطاق.

حيث تعتمد كفاءة مرافق تحويل النفايات إلى طاقة على نوعية المواد التي تصل إليها، وهنا يبرز دور مجموعة تدوير كجهة متخصصة في إدارة النفايات، عبر تعزيز كفاءة عمليات جمع وفرز النفايات واللوجستيات ذات الصلة، التي تؤثر بدورها على جودة المواد الداخلة إلى منشآت التحويل ومستوى أدائها البيئي والتشغيلي.

إلى جانب إدارة النفايات، يمتد نطاق عمل مجموعة تدوير ليشمل قطاع الطاقة والاقتصاد الدائري، بما ينسجم مع أهداف إمارة أبوظبي الرامية إلى خفض النفايات المرسلة إلى المكبات بنسبة 80% بحلول عام 2030.

بما في ذلك حصة المجموعة في ملكية محطة الشارقة لتحويل النفايات إلى طاقة بالشراكة مع «بيئة»، حيث تعالج المحطة منذ عام 2022 نحو 300 ألف طن من النفايات سنوياً، وتولّد قرابة 30 ميغاواط من الكهرباء تكفي لتزويد ما يقارب 28 ألف منزل، مع تجنب انبعاث نحو 450 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً.

وإلى جانب توليد الكهرباء، تعمل مجموعة تدوير بالشراكة مع «مصدر» على تحويل النفايات إلى وقود طيران مستدام، ما يتيح استخدام النفايات كمصدر بديل للطاقة النظيفة في أحد أكثر القطاعات تحدياً في مسار خفض الانبعاثات.

كما تتوسع المجموعة في حافظة مشاريعها الدولية، بما في ذلك المشروع الذي أُعلن عنه مؤخراً خلال القمة العالمية لطاقة المستقبل لتطوير منشأة في أستراليا قادرة على تحويل 700 ألف طن من النفايات سنوياً إلى 70 ميغاواط من الكهرباء.

وفي خضم الحوار العالمي حول الاستثمارات المستقبلية ومرونة أنظمة الطاقة، تبرز مسارات تحويل النفايات إلى طاقة كحلول عملية للإسهام في تلبية احتياجات الطاقة المتزايدة، وتطرح تساؤلات جدية حول قابلية تطبيقها على نطاق واسع يغطي حجم الطلب العالمي.

ولا يتحقق تلبية الطلب المستقبلي على الطاقة عبر تقنية واحدة أو قطاع منفرد بمعزل عن غيره، بل من خلال القدرة على الاستفادة القصوى من الموارد المتاحة بالفعل عبر تكامل القطاعات والأنظمة القائمة.

وفي هذا السياق، يصبح الاستثمار في معالجة النفايات ركيزة عملية واستراتيجية في بناء اقتصاد مرن قادر على مواكبة المستقبل.