في أبوظبي، حينما تتلاقى العواصم الكبرى على أرض واحدة، تصبح عاصمة دولة الإمارات أكثر من مجرد موقع جغرافي. هي مرآة تُقاس بها ثقافة الثقة والاحترام الدولي وإرث الدبلوماسية الذكية. الإعلان الأخير عن انطلاق الجولة الثانية من المحادثات الثلاثية بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة في 1 فبراير المقبل في أبوظبي، بعد نجاح الجولة الأولى منها، لم يكن حدثاً عابراً، ولكنه مؤشر على ثقل الإمارات المتزايد كمنصة للحوار وحل النزاعات في عالم مضطرب ومتغير.
وإذا كانت السياسة الدولية الكبرى قد ارتبطت على مدى عقود بالعواصم التقليدية؛ جنيف، نيويورك، وباريس، إلا أن دولة الإمارات، بخبرتها الدبلوماسية التي تشق طريقها في تعقيدات السياسة الدولية، أثبتت أنها تستحق أن تُدرج ضمن قائمة العواصم التي يُنظر إليها منصات للسلام، ليس فقط لأنها استضافت الجولة الأولى من المباحثات، بل لأنها أصبحت الجسر الذي يجمع بين أطراف الصراع الأشد تعقيداً في القرن الحادي والعشرين.
تكمن قوة هذه الاستضافة في دلالتها الاستراتيجية والرمزية معاً. من الناحية الاستراتيجية، اختارت القوى العالمية والإقليمية الإمارات مكاناً للحوار، ما يعني أن ثقة حقيقية قد تجذرت في موقف الدولة وسيطاً محايداً. ومن الناحية الرمزية، تحمل الإمارات على عاتقها رسالة واضحة، مفادها أن الدبلوماسية ليست رفاهية، بل أداة فعالة لبناء السلام في زمن الصراعات والهواجس الأمنية والإنسانية.
لا يمكن تجاهل أن الحديث يدور عن محادثات ثلاثية، وهو ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى سياق النزاع بين روسيا وأوكرانيا. فعلى مدى أربع سنوات، منذ اندلاع الحرب عام 2022م، ظلت الجهود الدولية تُدار في منظومات ثنائية أو عبر منظمات متعددة الأطراف. لكن هنا، في أبوظبي، نجحت المبادرة في جمع الخصمين الرئيسيين إلى طاولة واحدة، برعاية الولايات المتحدة، سعياً نحو مناقشة معايير إنهاء الحرب، وأشكال الحل السياسي الممكنة.
ولا يقتصر الأمر على ذلك؛ فهذه المحادثات تُعقد في ظل استمرار القتال على الأرض، ومع تصاعد الهجمات الجوية الروسية على المدن الأوكرانية، وهو ما يبرز عمق التحدي الذي تواجهه محادثات السلام. أضف إلى ذلك أن جدول الأعمال يركز على قضايا حساسة مثل مستقبل مناطق دونباس، والأمن بعد الحرب، وآليات الرقابة على المناطق المتنازع عليها، ما يجعل الدور الإماراتي في استضافة هذا الحوار تحدياً دبلوماسياً على مستوى عالٍ من التعقيد والمسؤولية.
ما يجمع أطراف هذا النزاع في أبوظبي ليس مجرد لقاء تقليدي في فندق أو مركز مؤتمرات، إنه انعكاس لثقة دولية متنامية في قدرة الإمارات على خلق فضاء من الحياد، يمكّن الأطراف من التعبير عن مواقفهم على طاولة واحدة، والتفاوض في جو من الاحترام المتبادل، بغضّ النظر عن حجم الخلافات التي تفصل بينهم. هذه الثقة لم تُبنَ بين عشية وضحاها، ولكنها جاءت نتيجة تراكم من النجاحات الإماراتية في الوساطات الإنسانية والدبلوماسية السابقة، التي شملت عمليات تبادل أسرى وأدواراً محورية في تخفيف توترات إقليمية.
استضافة أبوظبي لهذه الجولة تعد تقاطعاً مهماً بين السياسة الدولية الكبرى والإرث الدبلوماسي الإماراتي، إذ تُقرأ هذه الاستضافة كإقرار ضمني بولوج الإمارات إلى دائرة اللاعبين الجيوسياسيين الذين لا يُنظر إليهم فقط وسطاء محايدين، وإنما قوة يمكن الاعتماد عليها في مسارات السلام المعقدة.
من المهم هنا أن نتوقف أمام لحظة الامتداد التاريخي لهذه الخطوة، ففي الوقت الذي يشهد فيه العالم نزاعات لا تُعدّ ولا تُحصى، يبرز نموذج الإمارات دولة لا تركز على لغة الهيمنة والسيطرة، ولكن على لغة البناء والمحادثات. إن اعتمادها على الدبلوماسية أداة رئيسية لاستعادة الاستقرار في مناطق النزاع يعكس فهماً عميقاً لطبيعة التحولات الدولية الحالية، التي تتطلب قادة قادرين على الابتكار في أدوات السلام، وليس فقط في أدوات الحرب.
«أنا ممتن لدولة الإمارات، وشخصياً لرئيس الإمارات، على وساطتهم واستعدادهم لاستضافة المزيد من المحادثات. تعمل أوكرانيا من أجل السلام والأمن. شكراً لكل من يساعد». بهذه الكلمات عبّر الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي عن شكره للإمارات وقيادتها.
عندما تتكاثر جبهات الصراع، وتضيق مساحات العقل، تختار الإمارات أن توسع المساحة الوحيدة التي لا ينبغي أن تغلق أبداً؛ مساحة الحوار، لتؤكد أنها وسيط سلام، لا يسعى إلى الاستقطاب بقدر ما يسعى إلى المحافظة على بوصلته الأخلاقية.