تيرا 2026.. الإمارات تقود حوار الأرض

تتقدم دولة الإمارات اليوم في ملف الاستدامة الثقافية وصون التراث المعماري الطيني بخطى واثقة، مستندة إلى وعي متراكم بأهمية العلاقة بين الإنسان وأرضه، وبين العمارة والهوية.

ويأتي التحضير لاستضافة مدينة العين لمؤتمر «تيرا 2026» ليؤكد هذا التوجه، ويضع العمارة الترابية في قلب نقاش عالمي يتجاوز التقنية إلى المعنى، ويتجاوز الشكل إلى الجوهر.

إن إعلان دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي عن تفاصيل مؤتمر «تيرا 2026» قد فتح مساحة واسعة للتأمل في دلالات اختيار العين، وفي رمزية الطين كمادة بناء، وفي قدرة التراث المحلي على الدخول في حوار كوني حول الاستدامة. فالعين، بما تحمله من عمق تاريخي وذاكرة مكانية حية، تمثل بيئة مثالية لاستضافة حدث عالمي يربط بين الخبرة الإنسانية القديمة وتحديات العصر المناخي المعاصر.

من خلال متابعاتي وأبحاثي أجد أن مؤتمر «تيرا 2026»، وهو المؤتمر العالمي الرابع عشر للعمارة الترابية، سيكون محطة ثقافية بارزة في المشهد الإماراتي، حيث تستضيفه مدينة العين التي ستكون أول مدينة عربية تحتضن هذا الحدث منذ انطلاقه.

وينعقد المؤتمر في الفترة من 13 إلى 16 أبريل 2026 في مركز أدنيك العين، جامعاً خبراء وباحثين ومهندسين من مختلف أنحاء العالم حول شعار «إدارة التغيير في المشاهد الثقافية الترابية».

كما قرأت وبحثت، فإن محاور المؤتمر تتوزع على قضايا صيانة المواقع الأثرية والمباني الطينية، وتقنيات البناء الترابي المستدام، وإدارة المشاهد الثقافية، وتوظيف الأدوات الرقمية في دراسة الآثار.

ويصاحب المؤتمر برنامج غني بالأنشطة، من بينها «جائزة تُراب» المخصصة لطلبة الجامعات في دول مجلس التعاون، و«جائزة تيرا للمشاهد الطبيعية والعمارة الترابية 2026» بالتعاون مع «CRAterre»، إضافة إلى ورش تطبيقية في جامعة الإمارات العربية المتحدة تستكشف التصنيع الرقمي في العمارة الترابية.

وعلى امتداد مسار طويل من العمل الدولي المشترك، رسخ مؤتمر «تيرا»، منذ انطلاقته الأولى في مدينة يزد الإيرانية عام 1972، عبر ثلاث عشرة دورة سابقة، تطوير العمارة الترابية من موضوع بحث أثري إلى مجال علمي متعدد الأبعاد، فقد أسهمت مؤتمرات «تيرا» في تطوير المعرفة العلمية بخصائص المواد الطينية، وفي بناء شبكات تعاون دولية بين المتخصصين، وفي توسيع نطاق الاهتمام ليشمل إدارة المشاهد الثقافية، والتأهب للكوارث، والتدريب، والتقنيات التاريخية ذات الصلة بالبناء الحديث.

كما نتج عن هذه الدورات رصيد معرفي واسع من الأبحاث والتوصيات التي أصبحت مرجعاً أساسياً في هذا الحقل.

وجهة نظري، أن استضافة الإمارات للدورة الرابعة عشرة فرصة استراتيجية لتوظيف هذا الإرث المعرفي في صون تراثها الوطني.

فالمعالم الطينية في العين، مثل قلعة الجاهلي ومواقع هيلي، تحمل في تكوينها فلسفة فطرية للاستدامة، قوامها الانسجام مع البيئة، والاقتصاد في الموارد، والاعتماد على المعرفة المحلية، ويمتد هذا الأثر إلى المجال التعليمي والبحثي، حيث يتيح دمج العمارة الترابية في المناهج الجامعية نقل المعرفة التقليدية إلى الأجيال الجديدة بلغة علمية معاصرة.

أيضاً، تحمل استضافة «تيرا 2026» بعداً فلسفياً يتصل بسؤال البقاء والتحول. فالطين، في التجربة الإماراتية، مادة بناء ومعنى في آن واحد. في بيوت الأجداد وحصونهم، تحول التراب إلى لغة بصرية تعكس قيم التواضع، والتكيف، والعيش المتناغم مع الطبيعة، فهذه اللغة تعود اليوم إلى الواجهة كمدخل حيوي لإعادة التفكير في العمارة المعاصرة، وفي علاقتها بالإنسان والبيئة.

بالطبع، فإن قرة أعيننا جميعاً، مدينة العين، مدرجة على قائمة التراث العالمي، وهي وجهة معرفية تعيش استدامة فطرية عرفها الأجداد، وأيضاً تقنيات بناء يسعى إليها المستقبل، ففي العين واحات النخيل، ومن جدرانها الطينية، نتعلم هندسة مفاهيم إدارة الموارد، والظل، والتهوية، والانسجام المناخي، وكل ذلك قبل أن تدخل هذه المصطلحات إلى القاموس الحديث. بالنسبة لنا، كإماراتيين، فإن دور «تيرا 2026» يتجاوز الحفاظ المعماري ليصل إلى صون الهوية.

فالهوية عملية مستمرة تتغذى من وعي الأجيال بتاريخها المادي والشفهي، وبذلك فإن إعادة الاعتبار للمادة الترابية تمنح الجيل الجديد مفاتيح لفهم علاقة الإنسان بأرضه، وقيم التعاون والمشاركة التي رافقت بناء البيوت والحصون.

أرى أن «تيرا 2026» سيكون بياناً ثقافياً مفتوحاً، وسيطرح سؤال الاستقرار في عالم سريع التغير، ويقدم العمارة الطينية مدرسة في المرونة والحكمة.

ومن قلب العين، ومن كل العمارة الطينية الإماراتية التراثية العريقة، سوف تتجدد الرسالة بأن الهوية الإماراتية، مثل قلاعها الراسخة، تستمد قوتها من اتصالها العميق بالأرض، ومن قدرتها على الانفتاح الواعي على المستقبل، حاملة لون التراب، ومعنى المكان، وروح الإنسان.