قبل عقود قليلة، كان العالم منقسماً اقتصادياً على نحو يبدو اليوم قاطعاً في صرامته: معسكر اشتراكي يرفع راية القطاع العام، والمساواة، والتوزيع، ومعسكر رأسمالي يقوده الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، يُقدّس السوق الحرة، والقطاع الخاص، والمبادرة الفردية.
لم يكن الخلاف اقتصادياً فحسب، بل أيديولوجياً وأخلاقياً، حيث جرت شيطنة الرأسمالية، بوصفها إمبريالية متوحشة، في مقابل تصوير الاشتراكية كطريق الخلاص للعدالة الاجتماعية.
في ذلك السياق، تسابقت دول الجنوب، حديثة الاستقلال، إلى تبني نماذج اشتراكية «محلية»، من الاشتراكية العربية إلى الاشتراكية الأفريقية، وكأن المشكلة لم تكن في ضعف الدولة أو هشاشة المؤسسات، بل في «النظام الاقتصادي الخاطئ».
جرى تأميم القطاعات، وتوسيع جهاز الدولة، وتحويلها إلى ربّ العمل الأكبر، باسم العدالة والمساواة، بينما كانت النتيجة العملية في كثير من الحالات: تضخم بيروقراطي، اقتصاد ريعي، وانحسار المبادرة الفردية.
مرّت العقود، وتبدّلت النتائج على الأرض، قبل أن تتبدل الشعارات. انهار المعسكر الاشتراكي العالمي، لا فقط بسقوط الاتحاد السوفييتي، بل بتآكل قدرته على إنتاج الثروة والاستجابة لتطلعات مجتمعاته. في الوقت ذاته، وجدت دول العالم الثالث نفسها تحت ضغط الواقع، لا الإملاءات وحدها، تعيد النظر في خياراتها الاقتصادية. فبدأ التحول التدريجي – وأحياناً القسري – نحو اقتصاد السوق، وفتح المجال أمام القطاع الخاص والاستثمار والعولمة.
المفارقة أن هذا التحول في الجنوب، تزامن مع حركة معاكسة في الشمال. فالدول الرأسمالية العريقة، التي طالما بشّرت بحرية السوق وتقليص دور الدولة، بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي، وبصورة أعمق بعد الأزمات المالية المتلاحقة، بالعودة إلى سياسات تحمل سمات اشتراكية واضحة: توسيع شبكات الأمان الاجتماعي، حماية حقوق العمال، دعم البطالة، التدخل الحكومي في الأسواق، بل وحتى تأميم جزئي في أوقات الأزمات.
هذا «التعاكس» الظاهري، هو ما يربك الخطاب السياسي اليوم. دول كانت تُدان سابقاً بسبب تدخل الدولة، باتت تتحرر منه اليوم، ودول كانت تتغنى بالسوق الحرة، باتت تحاصرها بالقوانين والضرائب والقيود البيئية والاجتماعية. في بريطانيا، نرى تشنجاً سياسياً مزمناً حول دور الدولة، والضرائب، والخدمات العامة، وصل في بعض الأحيان إلى شلل تشريعي. وفي فرنسا، يبدو الانسداد السياسي أكثر حدة، حيث تتعطل آليات الدولة، بفعل صدام دائم بين مطالب اجتماعية متزايدة، وقدرة اقتصادية محدودة على الاستجابة.
لكن هل نحن فعلاً أمام «تعاكس»؟ أم أمام نضج متأخر في فهم العلاقة بين الدولة والسوق؟
التفكيك الهادئ لهذه السردية، يقود إلى نتيجة مختلفة: ما يجري ليس تبادل أدوار، بقدر ما هو بحث عالمي عن توازن مفقود.
الاشتراكية في الجنوب فشلت حين تحولت الدولة إلى غاية لا أداة، والرأسمالية في الشمال اهتزت حين تُرك السوق بلا ضوابط اجتماعية وأخلاقية. التجربتان التقتا عند نقطة واحدة: لا السوق وحده يصنع العدالة، ولا الدولة وحدها تنتج الثروة.
الدول التي تنجح اليوم – شرقاً وغرباً – هي تلك التي تجاوزت الثنائية الأيديولوجية، وتعاملت مع الاقتصاد بوصفه منظومة أدوات، لا عقيدة جامدة. الصين، على سبيل المثال، لم تنجح لأنها «اشتراكية» أو «رأسمالية»، بل لأنها أدارت السوق بقبضة دولة قوية، دون خنق المبادرة.
والدول الإسكندنافية لم تحقق رفاهها لأنها اشتراكية تقليدية، بل لأنها دمجت اقتصاد السوق مع عدالة توزيع فعّالة ومؤسسات رشيقة.
الأزمة التي نشهدها في الديمقراطيات الغربية اليوم، ليست أزمة «اشتراكية زائدة»، بل أزمة توقعات مجتمعية مرتفعة، لم تعد الموارد التقليدية قادرة على تلبيتها.
ومع الشيخوخة السكانية، وتباطؤ النمو، وتحديات الهجرة، باتت الدولة عالقة بين وعود اجتماعية واسعة، وواقع اقتصادي ضاغط، فظهر الانسداد السياسي، بوصفه عَرَضاً لا سبباً.
العالم لا يتحرك في اتجاهات متعاكسة، بقدر ما يتحسس طريقاً جديداً بعد فشل اليقينيات القديمة. والسؤال الحقيقي لم يعد: دولة أم سوق؟ اشتراكية أم رأسمالية؟ بل: كيف تُدار العلاقة بينهما بكفاءة وعدالة واستدامة.
من لا يدرك هذا التحوّل، سيظل أسير صراعات أيديولوجية تجاوزها الواقع، بينما يمضي العالم، بتردد أحياناً، لكنه يمضي.