بأسلوب الخطاب المباشر يفتتح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، هذا الدرس الثالث والثلاثين من دروس كتابه الثمين «علّمتني الحياة» قائلاً: «أحفادي وأحبابي: أعرف أنّ حياتكم جميلة، وأوقاتكم مريحة، وبيوتكم واسعة، ومدارسكم رائعة، وأسرّتكم دافئة، وطعامكم شهيّ، وأسألُ الله أن يُديم نعمته عليكم» بهذه الكلمات الدافئة يُعدِّدُ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أصناف النِّعَم الّتي أسبغها الله تعالى على الأحفاد، تمهيداً لتعريفهم بمعنى الحياة الحقيقيّة، وأنّ توافر النعم لا يعني أنّ ذلك هو الحياة في جوهرها الصحيح ولذلك جاء الجزء التالي من الدّرس لكي يصحّح نظرة الأحفاد إلى طبيعة الحياة حيث يقول صاحب السموّ: «أريدكم أن تدركوا بأنّ ذلك ليس هو الحياة الحقيقيّة، كُلُّ تلك أدواتٌ لتساعدكم على عيش الحياة الحقيقية القادمة» فبهذه الكلمات البسيطة الواضحة يهيّئُ صاحب السمو هذا الجيل الغضّ من الأحفاد لكي يتعرّف إلى المعنى الصحيح للحياة من خلال خبرة الآباء والأجداد الّذين اعتركوا بالحياة ونازلوها في مختلف ميادين النزال.
بعد ذلك يُلفتُ صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد نظر هذه الكوكبة من الأحفاد إلى مظاهر النشاط والعمل في هذه الحياة لكي يعرفوا أن هناك علاقة وثيقة بين العمل والإنجاز وتحقيق الحياة الطيّبة في جميع أشكال الحياة ومظاهر النشاط فيها، وهو ما عبّر عنه بقوله: «أحفادي وأحبابي: في هذا العالم كُلُّ شيءٍ خُلِق لسبب، وكُلُّ كائنٍ له دورٌ يؤدّيه، انظروا يا أحفادي إلى النَّحلة، تسعى كلّ يومٍ لتؤدّي عملها في بناء الخليّة أو إنتاج العسل أو حراسة السرب، انظروا إلى الطيور حولكم، كُلُّ طيرٍ يؤدّي عمله في بناء العُشّ أو رعاية الصّغار أو جلب الطّعام» إلى غير ذلك من مظاهر النشاط في هذه الطبيعة الخلابة لكي يكون ذلك تمهيداً للسؤال الآتي: «وأنتم ماذا سيكون دوركم في هذا الكون الكبير وهذا العالم الواسع؟»».
ولتقريب الصورة إلى هذه القلوب البريئة يعود صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد بالذاكرة إلى جهاد الآباء والأجداد في بناء هذا الوطن وفي الحفاظ على هذه الأرض لكي تعرف هذه الأجيال أنّ ما هم فيه من النعمة والأمان ما هو إلا ثمرة ذلك الجهاد الكبير وهو ما عبّر عنه صاحب السموّ بقوله: «أحفادي وأحبابي: لقد أفنى أجدادكم وأهلكم والآلاف معهم أعمارهم في هذه الأرض الّتي منحتهم الحياة، فمنحوها الأرواح والأعمار وواصلوا فيها الليل بالنهار لتكون لكم اليوم حضناً دافئاً وحصناً منيعاً وبيئة صالحة» وللربط بين الماضي والحاضر يواصل صاحب السموّ كلامه قائلاً: «وسيأتي دوركم لاستكمال عمارتها وتعظيم مكاسبها والحفاظ عليها لمن سيأتي بعدكم».
بعد ذلك يتوجّه صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد نحو البناء الأخلاقي للأحفاد وضرورة التسلّح بأعلى القيم الأخلاقية في مواصلة الدور وبناء الحياة حيث يقول: «مهما كان الدَّور الّذي ستؤدُّونه في مستقبلكم، لتكن أعمالكم مليئة بالإخلاص والنزاهة، وتعاملكم مع الناس مليئاً بالوقار والاحترام، ولتكن حياتكم مليئة بالبساطة والشهامة، ونفوسكم عامرة بالرضا والقناعة» وواضحٌ ما في هذه الكلمات المتوهّجة بالقِيَم الأخلاقيّة من حرص صاحب السموّ على ضرورة الجمع بين الوعي والأخلاق، وأنّ المحتوى الأخلاقيّ للإنسان هو صمام الأمان في مسيرة بناء الوطن والإنسان.
وتعزيزاً لما سبق من كلام صاحب السموّ حول سلاح الأخلاق يؤكِّدُ سموه على ضرورة تجسيد هذه الأخلاق في صورة عمليّة بقوله في خطاب الأحفاد: «إذا أسديتم معروفاً للبشر، أو أنجزتم عملاً لهذه الأرض، لا تُسجّلوه كدَيْنٍ مستحقّ، ولا تمنَّوا به على أحد، بل كونوا كالنَّحلة الّتي قدّمت العسل ومضت، وكالشجرة الّتي قدّمت الثمر حتى لو رُميت بالحجر، وكالطير الّذي أطعم فراخه حتى كبروا وطاروا بعيداً» ويا لروعة ما يكتبه صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد من هذه الدُّرر الغالية الّتي تستحق أن تكون في سويداء القلوب وأن تحفظ كنقشٍ خالد في ثنايا الذاكرة.
وبإحساس فارس الصحراء الّذي يعرفُ قيمة كلّ قطرةٍ من قطراتِ الماء يُطالبُ صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد أحفاده بأن يكونوا كالمطر «إذا وقع على الصّحراء حوّلها واحاتٍ خضراء، وإذا وقع على الجبال سال بأوديةٍ تسقي الزروع والثمار، وإذا وقع على المدينة غسلها وطهّرها وجدّد ثوبها وجمالها» واستلهاماً من هذه الصورة الرائعة للمطر يقول صاحب السموّ في مخاطبة الأحفاد: «كونوا نفّاعين للجميع دون تفرقة أو تمييز».
وترسيخاً لكلّ ما تقدّم من كلام صاحب السموّ يؤكِّدُ مرّةً ثانية على أنّ كلّ واحدٍ منّا له دورٌ محدَّدٌ في هذا الكون، وأنّ ما نراهُ من الأبراج الشاهقة الّتي تسكنها الأُسَر وتكتظُّ بمكاتب العمل لم تكن بهذا الارتفاع لولا وجود أساساتٍ متينةٍ تتحمّلُ كلّ ما سيكون عليها من الأحمال حيث يُبْدعُ المهندسون في تصميم الأجزاء المخفيّة تحت الأرض الّتي يصمِّمُها هؤلاء الجنود المجهولون لكي تنعم الأجيال بكلّ هذه الرّاحة وبكلّ هذا الأمان، وهو ما لخّصه صاحب السموّ بقوله: «وكذلك هي الأوطانُ يا أحبابي، ليس كُلُّ من يعمل يُرى، وليس كُلُّ من يبذُل يظهر، وليس كُلُّ من يحمي ويحمل ويسند يُشكر ويُقدّر» ليختم صاحب السموّ هذه الفكرة السامية بقوله: «ولكنّ العمل من أجل الوطن هو ثوابٌ بذاته، وهو شرفٌ بطبيعته، وهو فضيلةٌ تبقى معنا أبد الدهر».