المدارس والكسل المعرفي

في تجربة علمية حديثة، طلب من مجموعتين من التلاميذ حل المسألة نفسها، فاستخدمت الأولى أداة ذكاء اصطناعي، والثانية اعتمدت على البحث التقليدي.

كانت المفارقة في النتيجة، إذ أنهت المجموعة الأولى المهمة المطلوبة على نحو أسرع، وبإجابات أدق، غير أنها أخفقت في شرح ما قامت به، كما فشلت في تطبيق ما توصلت إليه في مسألة مشابهة!

ما سبق يمكن أن يطلق عليه ملامح من «الكسل المعرفي»، وهو ما حذرت منه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقرير لوكالة الأنباء الألمانية عندما قالت إن الذكاء الاصطناعي رغم فوائده الجمة إلا أنه قد يحرم الطلاب في المدارس حول العالم من الفهم الحقيقي.

ورغم أنها اعترفت أن الذكاء الاصطناعي يعين أطفالنا على إنجاز المهام وتحقيق نتائج مذهلة، إلا أنه قد يكون حجر عثرة في طريق تعلمهم على المدى الطويل.

إذن، إسناد المهام المعرفية إلى ما يسمى ببرامج الدردشة الآلية العامة يقلل من الانخراط الذهني، ويعزز الكسل المعرفي، ذلك أن معاناة البحث عن المعلومة، واستخدام أكثر من حاسة يرسخ المعلومات جيداً في الدماغ ولا يشل أجزاءه.

وهي مسألة في غاية الأهمية لاكتساب المهارات على المدى الطويل، فإذا اعتاد المرء ألا يقوم من مكانه ويأتيه كل شيء حوله بإشارة من أصبعه فستتعطل مرافقه وعضلاته.

والسؤال الذي يطرح نفسه، هل نتجاهل الذكاء الاصطناعي المذهل والذي لن تخلو منه أي منظمة وأي مشروع؟ بالطبع لا، غير أننا نرى أنه ينبغي أن يلتئم وزراء التعليم حول العالم مع كبار الباحثين، في مؤتمر يشبه دافوس الاقتصادي، للبحث حول سبل تطوير التعليم والتخلي عن الطرق البالية التقليدية من واجبات، وتقارير وغيرها من مواد لا تستغرق من التلاميذ سوى ضغطة زر لإنهاء «الواجب المنزلي».

هناك طرق عديدة يمكن أن ننميها في الشباب، تحديداً ما يحتاجون إليه في الوظائف الحالية ووظائف المستقبل القريب، مثل التفكير النقدي وحل المشكلات والقدرة على التحليل والإبداع والعمل التعاوني.

المعضلة الحقيقية تكمن في تحول الذكاء الاصطناعي في المدارس من أداة مساعدة إلى «عقل بديل» يجمد العقل البشري. وهناك يظهر الطالب في ميادين العمل على حقيقته عندما يعجز عن تفسير ما جمع إلكترونياً أو حتى الدفاع عنه أو توظيفه في سياق جديد.

قرأت ذات مرة في دراسات علم الأعصاب المعرفي أن أدمغتنا تقوي شبكات الأعصاب حينما نجبرها على المحاولة والخطأ، والمقارنة، لا سيما حينما لا نجد الإجابة المنشودة. هناك يعمل الدماغ بكل طاقته للبحث عن ضالته، تماماً كما يحدث في الألعاب العقلية التي تجدد قوة وحيوية الدماغ.

ولذلك كان التفكير العميق، المعاناة في أثناء البحث عن حل لمشكلة أو مسألة رياضية، يفتح مسارات عصبية في الدماغ ويولد لدى المرء مقدرة ومرونة على إيجاد حلول سريعة ترسخ في ذهنه.

ما يجري في مدارسنا من تفاخر بحفظ النصوص التي سرعان ما ينساها الطلبة بمغادرة قاعة الامتحانات يجب أن يتوقف. ذلك أن دخول الكسل المعرفي على الخط أضاف بعداً جديداً وخطيراً في معادلة تنشئة جيل جديد لا يبدو أنه سيكون مسلحاً بما يكفي إن استمررنا في وسائل التدريس التقليدية التي يطاردها الذكاء الاصطناعي.

ومنذ أن بدأت كتابة هذا المقال حتى بلغت نهايته، كانت محركات الذكاء الاصطناعي قد قطعت أشواطاً هائلة من التطور، الأمر الذي يضاعف مخاوفنا من مستقبل تربوي قد يعجز عن مجاراة تحولات العصر إن ظل جامداً.