الهروب إلى الأرض

تكمن المفارقة الكبرى للحضارة الإنسانية، في أنها وهي في ذروة انتصارها على الطبيعة، قد حققت أعمق هزيمة للروح الإنسانية، لقد شيّدنا قلاعاً من المعرفة والتقنية، لنحتمي بها من العالم البدائي، لكننا لم ندرك أن هذه القلاع الشاهقة قد تحولت إلى سجونٍ أنيقة، تعزلنا عن المصدر الجوهري الذي يغذي وجودنا، والنتيجة هي الإنسان الحديث: كائنٌ مؤمن مادياً، وممزق وجودياً، وهذا القلق الذي يسري في عروق عصرنا، ليس عرضاً جانبياً للتقدم أو ترفاً فكرياً، بل هو الثمن الباهظ لانقطاعنا عن شبكة الحياة التي خرجنا منها، إذ لم يعد ضجيج العالم الخارجي هو ما يرهقنا، بل صدى الفراغ الذي أحدثه صمت الفطرة في دواخلنا.

هذا الانقطاع ليس مجرد فكرة شعرية، بل هو حقيقة بيولوجية ذات عواقب وخيمة، فبينما تتسارع عقولنا في عوالم رقمية مجردة، لا تزال أجسادنا أنظمة عضوية عتيقة، مبرمجة على مدى ملايين السنين من التطور، للتناغم مع إيقاعات الأرض، أجهزتنا العصبية مصممة للاستجابة لشروق الشمس وغروبها، وليس للوهج المحموم للضوء الأزرق للشاشات، الذي يخدع ساعتنا البيولوجية، خلايانا تتذكر لغة التربة والماء والهواء، وتتوق إلى الأنماط الهندسية العضوية غير المتوقعة، التي نجدها في أوراق الشجر، وتفرعات الأنهار، وشكل السواحل، أنماط معقدة، لكنها مريحة للدماغ، على عكس الخطوط المستقيمة والزوايا الحادة التي تهيمن على بيئتنا المبنية، هذا التناقض الصارخ بين متطلبات بيئتنا الاصطناعية عالية السرعة، وحاجاتنا البيولوجية الفطرية بطيئة الإيقاع، يخلق حالة من الاغتراب الداخلي العميق، إنه شرخ خفي في الروح، بين ما نحن عليه ككائنات طبيعية، وما فرضنا على أنفسنا أن نكونه ككائنات حضارية.

هذا الشوق المتأصل للاتصال بالعالم الحي، هو ما صاغه عالم الأحياء إدوارد ويلسون في فرضية «البيوفيليا»، حيث تفترض هذه النظرية أن الانجذاب البشري للطبيعة، ليس مجرد تفضيل مكتسب، بل هو ميل فطري أساسي، ضروري لصحتنا النفسية والإدراكية، فعندما نحرم أنفسنا من هذا الاتصال، ندخل في حالة نقص مزمنة، يمكن وصفها بـ «اضطراب نقص الطبيعة»، إذ تتجلى أعراض هذا الاضطراب في تشتت الانتباه الذي أصبح سمة العصر، وفي تآكل القدرة على التفكير الإبداعي والعميق، وفي تصاعد معدلات القلق والاكتئاب.

وربما تكون «حبسة الكاتب»، التي مررت بها شخصياً، ليست إلا تجسيداً حاداً لهذه الحالة، فهي ليست مجرد عجز تقني عن إيجاد الكلمات، بل هي جفاف أعمق للمعنى، يحدث حين ينقطع المبدع عن مصادر الإلهام الفطرية، التي تغذي روحه، فيصبح كشجرة اجتثت من جذورها..!

لقد حاولنا معالجة هذا الفراغ الوجودي، بوسائل تنتمي إلى المشكلة ذاتها، من خلال المزيد من الاستهلاك، والمزيد من الترفيه الرقمي، والمزيد من الضجيج الذي يهدف إلى إسكات صوت الفطرة، لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل، لأنها تعالج الأعراض، وتتجاهل المرض الجذري، حيث لا يمكن تعويض غياب الأفق المفتوح بشاشة أوسع، ولا يمكن لصوت إشعار إلكتروني، أن يحل محل السكينة التي يبعثها صوت حفيف الشجر، والمشي الطويل في ممر جبلي منعزل وهادئ، وهذا ما مررت به شخصياً، حيث أدركت خلال تلك التجربة، أن الكلمات التي كنت أبحث عنها، لم تكن في القواميس أو على الشاشات، بل كانت تنتظرني في الخارج، منقوشة في صمت الصخور وهدير الريح، والشفاء لم يكن في محاولة الكتابة بقوة أكبر، بل في التوقف عنها تماماً، والإنصات إلى لغة أقدم من كل اللغات، لغة لا تحتاج إلى ترجمة.

نستطيع هنا أن ندرك بعمق، أن أزمة الإنسان الحديث ليست أزمة معنى، بل أزمة اتصال، حيث بحثنا مطولاً عن الخلاص في الفكر المجرد والتكنولوجيا، بينما كان يكمن دائماً في التجربة الحسية الفطرية، فالأرض لا تعلمنا شيئاً جديداً، فهي رحم حنون، تذكرنا بما تعرفه أرواحنا بالفطرة، نتصل بها بحبل سري خفي، فالخلاص ليس فعلاً نقوم به، بل هو حالة نعود إليها، حالة من التناغم الصامت، حيث يتوقف السؤال، لأن الروح تجد في صمتها كل الإجابات.