السيادة مصطلح استثنائي في أهميته وخطورته على مستويات متعددة، فردية وعائلية ومجتمعية ووطنية، المقاربات حوله مثيرة للجدل، والاجتهاد في عالم اليوم أكثر مما كان في العوالم التي سبقت ذلك كرمز يعبر عن الحرية والكرامة والاستقلال، لعلاقاته بالتطورات المحلية والإقليمية والدولية، ولما يمكن تحميله من معانٍ في سياقات هذه التطورات، وما أفرزته من تداعيات تشكل في عصرنا الحالي جذور الانقسامات والصراعات وطنياً وطبقياً وآيديولوجياً.
المصطلح في اللغة يعني رفعة المقام وعلو المنزلة التي تتأتى في المجتمعات الشرقية بفعل الموقع الديني أو القبلي أو المجتمعي إلا أن إضفاءه على غير ما هو ذلك قد خضع لتطور المجتمعات من جهة وتطور الصراعات بينها من جهة أخرى. آفاق استخدامه قد طرأ عليها الكثير من التغيير تجاوزت الحالة المجتمعية التي ولد في أطرها ليصبح مصطلحاً خطيراً يشغل اهتماماً كبيراً وحيزاً واسعاً شكلاً ومضموناً لصلته الوثيقة بالتطورات التي نشهدها في عالم السياسة.
مفهوم السيادة يعني الكثير على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع وعلى مستوى أي دولة، حيث يجري الحديث عنه بوقار شديد على مستويات مختلفة نزولاً إلى مستويات العائلة وإلى مستوى الفرد. وهو يعني بأبسط أشكاله وبأوسع تطبيقاتها، امتلاك خيارات الحياة إنها صناعة الموقف واتخاذ القرار أفراداً ومنظمات ودولاً.
السيادة ترتبط بالحرية قبل أي شيء آخر وترتبط بالمساحة المتاحة لممارستها في رسم المستقبل وترتبط على مستوى أي دولة بحدود القدرة على إقامة البنى التحتية المدنية منها والعسكرية والقدرة على إقامة العلاقات مع الدول الأخرى بما يتناسب مع مصالحها لتعزيز أمنها القومي.
سياقات مقاربة مفهوم السيادة ينبغي أن تبدأ على مستوى الفرد أولاً، فالدساتير الحضارية حينما تتيح للفرد حرية التعبير عن الرأي بشتى الطرائق بما فيها الاحتجاج والتظاهر، فهي ترسم حدود سيادته وهي مسؤولية الدولة على احترامها لا التعامل معها بهراوات القوى الأمنية ولا بالقنابل الدخانية.
ورغم أن المصطلح يمكن أن يحمل صفة دينية مهيبة لدى بعض الطوائف أو يرد في تمجيد انتماء عشائري معين، إلا أننا في هذه المقالة لا نقارب هذه ولا تلك بل نقتصر على مقاربته سياسياً. فتطور معناه إلى ما هو عليه اليوم قد ارتبط بنشوء الدولة الحديثة وتبلور حدود هيمنتها أو سيادتها. فقد ظهر للمرة الأولى في اتفاقية ويستفاليا التي عقدت في مايو لعام 1648 التي تعتبر أول اتفاقية دبلوماسية في العصر الحديث تنهي حربين في القارة الأوروبية، وتشرع نظاماً يستند إلى مبدأ سيادة الدول وتحريم التجاوز عليه.
السيادة الوطنية، مفهوم قانوني وسياسي في الوقت نفسه، وهو كغيره من المفاهيم التي نرسم من خلالها علاقاتنا بالواقع الدولي، وبما يطرأ على هذا الواقع من تغيير، وهو أمر مفروغ منه طالما كانت التوازنات السياسية سواء على المستويات الدولية أم الإقليمية واقع حال لا يمكن تجاهله، فقد أصبح الخضوع لقرارات مجلس الأمن الدولي لا يمثل انتهاكاً لسيادة الدول مع أنه في أحوال عدة كذلك.
فقد كان من نتائج الحرب العالمية الثانية أن شُرع ميثاق الأمم المتحدة وصدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتوافرت بذلك ذرائع تسمح لبعض الدول بالتدخل في شؤون دول أخرى حول قضايا تتعلق بغياب القيم الديمقراطية والتهاون في حقوق الإنسان، وفي قضايا أخرى نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فتراخى بذلك مفهوم السيادة وتوافر الظروف الموضوعية لاتخاذ القرار على المستوى الفردي والمجتمعي والسياسي بمعزل عن أية مؤثرات خارجية.
عند مقاربة هكذا موضوع شائك لا بد من التطرق في الوقت نفسه إلى جملة قضايا ذات جذور تأريخية وعقائدية ومجتمعية ترسم ولاءات الفرد ومعتقداته ومدى قدراتها على الحسم في حالة تعارض هذه الجذور وما تركتها من بنى راسخة في ثقافته على موقفه من السياسات المتبعة، والتي تخل بمبدأ السيادة فيما يتعلق بالأهداف المرصودة والأحلام المرسومة.