الصراع الأمريكي الصيني ينتقل إلى أمريكا اللاتينية

فاجأت واشنطن العالم في 3 يناير الجاري، بعملية عسكرية خاطفة في فنزويلا، نجحت خلالها في أسر الرئيس الفنزويلي «نيكولاس مادورو»، ونقله مقيداً مع زوجته إلى نيويورك لمحاكمتهما.

هذه العملية، التي اختلفت تفاصيلها عن بقية تدخلات واشنطن في أمريكا اللاتينية، والأولى منذ تدخلها في بنما سنة 1989، كان لها صدى قوياً في عواصم العالم، لا سيما في عواصم الدول التي نسجت شراكات مع نظام مادورو وسلفه «هوغو شافيز»، وبالأخص الصين.

كان رد الفعل الصيني قوياً قولاً، وضعيفاً فعلاً، فهي لئن شجبت العملية وعدتها انتهاكاً فاضحاً لسيادة الدول ومبادئ القانون الدولي، إلا أنها وجدت نفسها عاجزة عن القيام بمساعدة حليفتها الفنزويلية.

ولعل ما أثارها وأقلق مضاجعها أكثر من العملية نفسها، هو ما تلاها على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حول إحياء مبدأ مونرو، وإعادة تسميتها بمبدأ دونرو، وهذا يعني أن نصف الكرة الغربي مجال نفوذ حصري للولايات المتحدة، وأن أي تمدد للصين أو غيرها فيه، يُعد تهديداً للأمن القومي الأمريكي.

وبعبارة أخرى أدركت بكين أن الرسالة موجهة لها، ومفادها الأوضح هو أن ما تسعون إليه من نفوذ في أمريكا اللاتينية، كما في فنزويلا، عبر الدبلوماسية والاستثمار والشراكات، يمكن القضاء عليه في إغماضة عين بالقوة العسكرية، خصوصاً أن عملية فنزويلا، التي تمت بنجاح، ودون وقوع ضحايا، أثبتت للعالم القدرات المذهلة للجيش الأمريكي، وللمخابرات المركزية الأمريكية، في التخطيط والتنفيذ والمراوغة والسرية.

والمعروف أن الصين بدأت منذ التسعينيات بنسج علاقات وشراكات مع الأنظمة اليسارية المعادية لواشنطن في أمريكا الجنوبية، حتى صارت مع مرور الوقت الشريك التجاري الأول والأكبر لهذه الدول.

وكان المثال الأبرز في فنزويلا، التي استثمر الصينيون فيها وحدها نحو 68 مليار دولار منذ عام 2007، كان معظمها في قطاع الطاقة ومصافي النفط، وذلك على أمل أن تتجه نسبة 90 % من النفط الفنزويلي إلى موانئها بحلول عام 2026.

على أن فنزويلا بالنسبة للصين كانت أكثر من مجرد شريك نفطي، إذ شكلت جزءاً من استراتيجيتها للتمدد وتأمين حاجتها من المواد الخام والموارد الاستراتيجية من مناطق غير خاضعة للهيمنة الأمريكية، من أجل استدامة صعودها الصناعي والتكنولوجي، وخلق موطئ قدم نادر لبكين في أمريكا اللاتينية، الحديقة الخلفية لخصمها الأمريكي.

وهو ما خسرته الآن بوقوع فنزويلا في القبضة الأمريكية، مع خسارتها أيضاً لما كانت تصفه بـ «الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع فنزويلا البوليفارية الصديقة»، هذا ناهيك عن ثبوت أن دبلوماسيتها القائمة على مبدأ «عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى»، تواجه مأزقاً وامتحاناً.

غير أن الزميل الدكتور أحمد قنديل المتخصص في الشؤون الآسيوية، يرى أن بكين استفادت من سابقة العملية الأمريكية في فنزويلا. فبحسب قوله: «إذا سمح المجتمع الدولي لواشنطن بفرض حصار بحري على ميناء فنزويلي، وتغيير نظام حكمها بالقوة، بحجة «مبدأ دونرو»، فما الذي يمنع بكين مستقبلاً من تبرير إجراءات مماثلة بشأن تايوان».

يمكن اعتبار ما حدث تحولاً للصراع الأمريكي الصيني من آسيا إلى أمريكا اللاتينية، ومن بحر الصين الجنوبي إلى البحر الكاريبي، وفي الوقت نفسه، يمكن اعتباره صراعاً مفتوحاً، انتقل من الرسوم الجمركية وميزان التبادل التجاري، إلى الصراع والتنافس على امتلاك مفاتيح القوة المتمثلة في التكنولوجيا وسلاسل التوريد والمواد الاستراتيجية، كالنفط والمعادن النادرة المستخدمة في صناعة الرقائق الإلكترونية.

ذلك أن فنزويلا لم تكن فقط مجرد دولة فاشلة ذات نظام ديكتاتوري شمولي، يحكمها رئيس مشكوك في شرعيته، ومتهم بالاتجار في المخدرات، وهي ليست دولة تملك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم (نحو 303 مليارات برميل) فحسب، وإنما أيضاً بلد يحتوي على مخزون هائل من الذهب والألماس والبوكسيت والحديد، علاوة على المعادن الاستراتيجية النادرة، التي لم تستغل إلى حد كبير، والمقدر حجمها بنحو 300 ألف طن متري، علماً بأن هذه المعادن ارتفعت قيمتها بسرعة، لتتحول من موارد جيولوجية خاملة، إلى أصول استراتيجية ذات أبعاد جيوسياسية.

ولهذا لا تحاول واشنطن، بتدخلها في فنزويلا، السيطرة على هذه الثروات فقط، وإنما أيضاً ضمان عدم وصولها إلى أيدي خصومها من الصينيين والروس، خصوصاً مع علمها بأن نظام مادورو عمل طويلا مع شبكات إجرامية لتهريب هذه الموارد النادرة إلى كولومبيا أولاً، ومنها إلى الشركات الصينية.

كل هذا، بالإضافة إلى موقع فنزويلا الاستراتيجي المطل على ممرات شحن تجارية في البحر الكاريبي، جعلت من هذا البلد بؤرة حساسة للصراع والتنافس بين القطبين الأمريكي والصيني، بينما شكلت الأحداث الأخيرة خنقاً لسياسات التوسع الصينية، ونجاحاً لأمريكا في استعادة نفوذها القديم في فنزويلا.