حين نستحضر معنى العزم في التجربة الإماراتية، يتقدم إلى الذاكرة وجه الوالد المؤسس، المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بوصفه التجسيد الأعمق للحكمة المقترنة بالفعل، وللإرادة الممزوجة بالرحمة.
في شخصيته التقت قوة القرار مع صفاء القلب، واجتمع العزم مع التواضع، فصار البناء عنده فعل محبة قبل أن يكون مشروع دولة.
كان يرى في الإنسان غاية التنمية، وفي سعادته معيار النجاح، ولذلك جاءت قراراته نابعة من إحساس عميق بالمسؤولية تجاه الناس، ومن إيمان بأن العيش الكريم حق أصيل.
ونلاحظ أن العزم الهادئ، الذي حمله في ملامحه، وفي كلماته، وفي خطواته، صنع مساراً كاملاً للدولة، ورسّخ نموذجاً للقيادة يقوم على الصبر، ونفاذ البصيرة، والقدرة على تحويل الرؤية إلى واقع حي، لذلك فإن الإرث الإنساني الإماراتي العميق، قد أنتج معنى العزم في الوعي الوطني، كقيمة أخلاقية تقود وتحمي وتبني وتمنح الهوية الإماراتية عمقها الإنساني المستمر.
وقد احتفلنا، في السابع عشر من يناير، كما نحتفل كل عام بـ«يوم العزم» الإماراتي، كعلامة وعي وطنية تتجاوز حدود المناسبة، وتصل مباشرة إلى جوهر الهوية الإماراتية.
فهو يوم تتجمع فيه معاني الإرادة والصبر والثبات، وتلتقي فيه الذاكرة بالتجربة، ويستعيد فيه المجتمع قصة تشكّله الأولى، حين كان العزم شرطاً للحياة، وطريقاً للبقاء، وأسلوباً لبناء المستقبل.
في هذا اليوم العظيم، تعود القيم إلى أصلها الإنساني. الصبر الذي عرفه الأجداد والذي تحول عبر الزمن إلى ثقافة راسخة، ثم إلى وعي وطني، ثم إلى مشروع دولة يعرف مساره بثقة وهدوء. العزم هنا نتاج تجربة طويلة، عاشها الإنسان الإماراتي في تفاصيل يومه، وحملها معه من جيل إلى جيل.
رسائل قيادتنا الحكيمة في يوم العزم ركزت على الثبات في اللحظات الفاصلة، وعن حماية المنجزات، وعن تحويل التحديات إلى مسارات جديدة للتقدم، وهذه التوجيهات، تنبع من فهم متجذّر لطبيعة المجتمع الإماراتي، الذي تشكّل عبر التاريخ على فكرة التماسك، وعلى وعي جماعي يرى في الوحدة مصدر قوة، وفي الحكمة أسلوب إدارة، وفي العزم قاعدة لكل خطوة.
الأنثروبولوجيا الاجتماعية للمجتمع الإماراتي تكشف عن جذور حقيقية تبرز التكاتف الاجتماعي، وروح الفزعة، والعمل الجماعي، والتي كانت وما زالت تنظم العلاقة بين الأفراد، وتمنح المجتمع مرونته، وقدرته على تجاوز المحن، لذلك فإن «يوم العزم» يعمل على ترسيخ هذه القيم الأصيلة في صيغة معاصرة، ويمنحها حضوراً وجدانياً متجدداً في الوعي العام.
التلاحم الوطني الذي ظهر في يوم العزم هو امتداد طبيعي للهوية والثقافة الإماراتية، فلقد وُلدنا ونشأنا وتربينا على الحوار في المجالس الإماراتية المفتوحة، وعلى تبادل الرأي، وبناء التوافق، فتشكلت علاقة متينة بين المجتمع والقيادة، قائمة على الثقة، وتحمل المسؤولية، والولاء المتبادل، ولا شك أنه في يوم العزم، يتجدد هذا الرابط بصورة شعورية، يشعر فيها الفرد بأن انتماءه فعل يومي، ومشاركة واعية في حماية الوطن وصون استقراره.
في كلمات قيادتنا الحكيمة، نجد تأكيداً واضحاً على أهمية التوحد والتماسك، والإصرار، وهذا يعكس إدراكاً عميقاً لأهمية الاستمرارية في المسار الوطني، كما يدفع لأن تكون التنمية في التجربة الإماراتية تحمل دائماً بعداً إنسانياً وأخلاقياً، وتقوم على رؤية ترى في الإنسان محورها الأول، وفي القيم أساسها، وفي العزم محركها الدائم.
من وجهة نظري، كوني باحثة ومراقبة اجتماعية، فإن يوم العزم هو أيضاً مساحة تربوية مؤثرة، قادرة على الانتقال من الرمز إلى السلوك، حين يتعرف الأبناء إلى هذا اليوم باعتباره سمة من سمات الهوية والشخصية الإماراتية، تتجسد في الانضباط، وتحمل المسؤولية، والعمل بروح الفريق، فيصبح العزم جزءاً من التربية، ومن بناء الشخصية، ومن إعداد الإنسان للمستقبل.
التحول الكبير الذي عاشته دولة الإمارات، من مجتمع يعتمد على الصبر والتحمل في مواجهة الطبيعة، إلى دولة تقود المبادرات، وتصنع الفرص، وتؤثر في محيطها الإقليمي والدولي، استند على أرضية ثقافية صلبة، مستلهمة من رؤى القيادة، فحملها المجتمع معه، وطوّرها، وأعاد توظيفها في مشروع حضاري معاصر.
أرى أن العزم الإماراتي هو رسالة إنسانية تتجاوز الحدود، فهو قصة الصمود والبناء والاستقرار التي أصبحت مصدر إلهام، ونموذجاً في إدارة الأزمات، وفي بناء الدول على أسس من الحكمة والتوازن، وهذا الحضور الإنساني عزز مكانة الإمارات ثقافياً وسياسياً، ومنحها صوتاً مسموعاً في المحافل الدولية.
إنه «يوم العزم الإماراتي»، يوم الهوية والشخصية الإماراتية، اليوم التراثي الأصيل، يوم الوعي المتجدد الذي أثبت للعالم كله بأن الهوية الإماراتية تشكلت من قيم عميقة، وأن العزم مسار ممتد، يربط الماضي بالحاضر، ويفتح المستقبل بثقة وطمأنينة، هو يوم تتكلم فيه الهوية بهدوء، وتؤكد حضورها، وتواصل مسيرتها بثبات.