خريطة طريق لريادة الإمارات في الصحة 2035 (15/14)

الإعلان الصحي المضلل... جريمة لا دعاية

حين تتحول الإعلانات الصادرة عن بعض المؤسسات الصحية من وسيلة للتوعية وبناء الثقة إلى أداة للتضليل والتهويل، فإننا لا نكون أمام خلل تسويقي عابر، بل أمام ممارسة خطرة تمس جوهر القرار الطبي وثقة المجتمع في القطاع الصحي.

لقد شهدنا خلال السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في الإعلان عن «إنجازات» غير دقيقة، أو ألقاب تسويقية بلا مرجعية، أو نسب نجاح لا تستند إلى بيانات منشورة أو مراجعة مستقلة. ويقدم هذا المحتوى للجمهور باعتباره حقيقة، بينما يفتقر في جوهره إلى التوثيق أو الاعتماد العلمي أو التنظيمي السليم.

الإعلان الصحي مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون أداة ترويج

الإعلان في المجال الصحي يختلف جوهرياً عن أي نشاط دعائي آخر.

فهو لا يؤثر على قرار استهلاكي عادي، بل يوجه قرارات علاجية قد يكون لها أثر مباشر على صحة الإنسان وحياته.

الدراسات الدولية تؤكد أن المعلومات الصحية المضللة قد تؤدي إلى:

تأخير العلاج الصحيح وطلب علاجات أو أدوية غير مناسبة وخلق توقعات علاجية غير واقعية وتقويض الثقة بالطب المبني على الدليل.

وتشير مراجعات علمية منشورة في مجلات طبية محكمة إلى أن نحو 30–%40 من المحتوى الصحي المتداول إعلانياً عبر المنصات الرقمية يحتوي معلومات غير دقيقة أو مبالغ فيها، وأن جزءاً معتبراً منها قد يؤثر سلباً على قرارات المرضى العلاجية.

الأرقام تكشف حجم المشكلة

حجم سوق الإعلان الصحي عالمياً يعكس حجم التحدي.

تشير تقديرات اقتصادية موثوقة إلى أن الإنفاق العالمي على الإعلان الصحي تجاوز 44 مليار دولار في 2025، مع توقعات ببلوغه نحو 68 مليار دولار بحلول 2033.

في الولايات المتحدة — إحدى أكثر الأسواق تنظيماً — تعد الإعلانات الصحية من أكثر فئات الإعلان خضوعاً للشكاوى.

وتظهر بيانات هيئة معايير الإعلان البريطانية (ASA) أن نحو 80 % من الشكاوى المتعلقة بالإعلانات خلال السنوات الأخيرة كانت بسبب محتوى مضلل أو غير قابل للتحقق، وأن الهيئة تضطر سنوياً إلى سحب أو تعديل عشرات الآلاف من الإعلانات، كثير منها في مجالات الصحة والتغذية والعلاجات.

هذه الأرقام تؤكد أن المشكلة ليست محلية ولا هامشية، بل ظاهرة عالمية تتطلب تنظيماً صارماً.

كيف يؤثر الإعلان المضلل على القرار الطبي؟

الدراسات السريرية في الولايات المتحدة أظهرت أن طلب المريض لدواء أو إجراء شاهده في إعلان يزيد احتمال وصفه له بشكل كبير، حتى عندما لا يكون الخيار الأمثل طبياً.

كما بينت دراسات أخرى أن الإعلانات الصحية قد تؤدي إلى تشخيص مفرط لبعض الحالات، ورفع معدلات استخدام أدوية دون ضرورة إكلينيكية واضحة.

الأخطر أن بعض الإعلانات تعتمد الاستثارة العاطفية بدل المعلومة العلمية؛ فأكثر من %90 من الإعلانات الصحية المرئية تستخدم خطاباً عاطفياً، بينما أقل من ربعها فقط يقدم معلومات طبية متوازنة عن المخاطر أو البدائل العلاجية.

الإطار التنظيمي في الإمارات واضح لكنه يحتاج حزماً دائماً

في دولة الإمارات، يخضع الإعلان الصحي لإطار قانوني وتنظيمي واضح، من أبرز ركائزه:

• اشتراط الموافقة المسبقة من الجهات الصحية المختصة قبل أي إعلان صحي

• حظر أي ادعاء علاجي غير مثبت أو مضلل

• فرض غرامات مالية قد تصل إلى مئات الآلاف من الدراهم

• تجريم الإعلان الإلكتروني الصحي المضلل وفق قوانين الجرائم الإلكترونية وحماية المستهلك

وتؤكد التشريعات الإماراتية أن نشر إعلان صحي يتضمن معلومات خادعة أو غير دقيقة يعد مخالفة جسيمة، وقد تصل العقوبة إلى الغرامة الكبيرة أو الحبس، خصوصاً إذا مس الإعلان سلامة المرضى أو الصحة العامة.

أمثلة واقعية... دون أسماء

رصدت خلال السنوات الماضية حالات متعددة — محلياً ودولياً — منها:

• إعلان عن إجراء طبي وصف بأنه «ثوري» دون أي دراسة منشورة أو اعتماد علمي

• الترويج لنسب نجاح عالية دون الإفصاح عن حجم العينة أو معايير القياس

• الإعلان عن منتجات أو خدمات علاجية عبر وسائل التواصل دون ترخيص صحي

• استخدام شهادات مرضى أو «قصص نجاح» دون توثيق أو تحقق مستقل

في جميع هذه الحالات، انتهى الأمر إما بسحب الإعلان، أو فرض غرامات، أو إلزام الجهة المعلِنة بالتصحيح العلني.

المحاسبة شرط أساسي لاستعادة الثقة

المراجعة المسبقة ضرورية، لكنها غير كافية وحدها.

غياب المحاسبة هو ما يسمح بتكرار المخالفات وتطبيعها.

المطلوب منظومة مساءلة واضحة تشمل:

• سحب فوري لأي محتوى مضلل

• إلزام بالتصحيح العلني وبمستوى الانتشار نفسه

• عقوبات رادعة متناسبة مع حجم الضرر

• تحميل المسؤولية الإدارية للقيادات، لا الاكتفاء بمعالجة تسويقية شكلية

فالثقة في القطاع الصحي لا تبنى بالإعلانات، بل تبنى بالصدق.

الحقيقة أساس الريادة الصحية

المؤسسات الصحية التي تحقق إنجازات حقيقية لا تخشى التدقيق، بل تعتبره جزءاً من مصداقيتها.

أما تضخيم الإنجازات أو تزييفها، فهو طريق قصير للظهور الإعلامي، وطريق طويل لفقدان الثقة.

حماية المريض تبدأ بحماية الحقيقة، وحماية النظام الصحي تبدأ بوقف الإعلان المضلل دون استثناء أو مجاملة.

كلمة أخيرة

الإعلان الصحي ليس مساحة للتزيين أو التهويل، بل التزام أخلاقي تجاه المجتمع.

وأي تساهل في مراجعته أو محاسبة من يسيئ استخدامه هو تساهل في حق المريض ذاته.

لقد آن الأوان لإعلان واضح لا لبس فيه: الإعلان الصحي المضلل ليس دعاية... بل جريمة تستوجب المراجعة والمحاسبة.