كلما شاهدت ما يحدث في وسائل التواصل الاجتماعي من نقاشات تضر أكثر مما تنفع ومحتوى هزيل، تذكرت القواعد العشر التي وضعها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، للشخصية الإماراتية على مواقع هذه الوسائل، وتمنيت لو وضعها كل إماراتي أمام عينيه قبل أن يكتب حرفاً، فنحن في زمنٍ أحوج ما نكون فيه إلى الحكمة، وترجيح مصالح الوطن العليا على لحظة الغضب الآنية، والدفع بمجتمعنا نحو الأفضل، بدلاً من إضاعة الوقت في جدلٍ عقيمٍ لا طائل منه، وإلى التفكير في مستقبل أكثر إشراقاً، بدلاً من المراوحة في أماكننا حتى لو كان الحاضر جميلاً.
القواعد العشر التي وضعها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، في تغريدة سموه على منصة «X» عام 2019م، لمن يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بمنصاتها المختلفة، ترسم الشخصية الإماراتية وفق إطار محدد يجب أن لا تخرج عنه، فهي شخصية تمثل صورة زايد وأخلاق زايد في تفاعلها مع الناس، وتعكس الاطلاع والثقافة والمستوى المتحضر الذي وصلته الإمارات، وتبتعد عن السباب والشتائم وكل ما يخدش الحياء في الحديث، وتستخدم الحجة والمنطق في الحوار، وتقدر الكلمة الطيبة والصورة الجميلة والتفاعل الإيجابي مع الأفكار والثقافات والمجتمعات.
هي شخصية نافعة للآخرين بالمعلومة، وناشرة للأفكار والمبادرات المجتمعية والإنسانية التي يزخر بها الوطن، مندمجة مع محيطها العالمي، تتحدث لغته، وتتناول قضاياه، وتتفاعل إيجابياً مع مستقبله. واثقة من نفسها، تتقبل الاختلاف وتبني جسوراً مع غيرها من الشعوب، تعكس تواضع الإماراتي وطيبته ومحبته للآخرين وانفتاحه على بقية الشعوب، تعشق وطنها وتفتخر به وتضحي من أجله.
تصوروا ما الذي يمكن أن يحدث لو أن كل مستخدم لوسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي وضع هذه القواعد أمام عينيه قبل أن يكتب حرفاً واحداً وقام بإرساله إلى الفضاء الإلكتروني الذي ينشط من خلاله.
لا شك أن صوراً كثيرة سوف تختفي من حيز هذا الفضاء غير المنضبط، وأن صوراً أخرى سوف تظهر على صفحته، صوراً لا تسبب للعين قذي، ولا تُعرّض النفوس للأذى الذي تتعرض له الآن بفعل الألفاظ غير اللائقة التي تملأ الفضاء الإلكتروني، والشتائم التي تترك جروحاً غائرةً من الصعب اندمالها، وتنصب فخاخاً لا يجب أن نقع في شراكها.
الإمارات دولة تستثمر في الإنسان والأرض وتنشغل بعمارتها، وعلى كل من يستخدم وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي في دولة الإمارات أن يوجه هذه الوسيلة لخدمة هذا الهدف، وأن يبتعد عن الإسفاف، فلا يترك فرصة لأحد كي يجره إلى ساحة حوارات غير منضبطة، تغذي الخلافات غير المرغوبة، وتشعل النيران، وتعود على الجميع بالخسارة، وتوسع الهوة بين الشعوب والبلدان. رسالة دولة الإمارات وقيادتها واضحة لا لبس فيها، ومن كان على عينيه غشاوة يجب أن يرفع هذه الغشاوة عنها قبل أن يجد نفسه أمام قوانين رادعة وعقوبات مشددة.
لدينا في دولة الإمارات مشاريع اقتصادية وتنموية وثقافية وحضارية كثيرة، علينا أن نركز عليها ونترك ساحة الجدل العقيم لأولئك الذين يعشقون المعارك التي لا فائدة منها، ولا يجيدون سوى الكلام في عصر لا مكان فيه إلا للذين يعملون أكثر مما يتكلمون، وفي نموذج الإمارات، عبر خمسة عقود ونصف من الزمن، خير دليل على تطبيق هذا المبدأ الذي وافق نظرية القيادة الحكيمة لهذه الدولة منذ قيامها.
الأشجار المثمرة وحدها هي التي تُرمى بالحجارة، ودولتنا شجرة وارفة الظلال كثيرة الثمار. لذلك ليس مستغرباً أن تكون هدفاً لحجارة تتساقط عند أقدام من يرميها، لأن المسافة التي تفصلها عن غيرها ليست مسافة جغرافية، بل سنوات ضوئية من العمل والرؤية والطموح.
وحين يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، أن صناعة المحتوى رسالة ومسؤولية، تحرك مجتمعاتنا نحو الأفضل، وتلهم الأجيال، وتصنع فرص الاقتصاد، وتغير مستقبلنا للأفضل، فإنه يضع ميثاقاً أخلاقياً لعصرٍ رقمي كامل، ويختصر في كلمات قليلة جوهر رؤية القيادة الحكيمة، التي ترى في الكلمة قوة بناء، لا أداة هدم، وفي المحتوى مسؤولية وطنية، لا مساحة للعبث.