يحدث لك أمر تصفه بأنه حدث بطريق الصدفة، وبالرغم من أن كثيراً من أصدقائك لا يعترفون بالصدفة، إلا أنك تصر أن هناك تلك المواقف والأشخاص واللقاءات وحتى الصداقات التي حدثت لك، أو وقعت فيها بطريق الصدفة البحتة التي لم تتخيلها ولم تتوقعها ولم ترتسم يوماً أمامك إلا أنها تركت في داخلك أثراً لا يمكنك نسيانه أبداً!
هذا الأثر الذي لا ينسى أو الذي يفضى إلى نتائج إما خطيرة أو غير متوقعة يسمونه أثر الفراشة! وهو تعبير كما يقول «جوجل» رمزي وعلمي في آن معاً، فهو يرتبط بنظرية الفوضى في الفيزياء والرياضيات، ويختصر بالمثال المعروف أن رفة جناح فراشة في مكان ما قد تتسبب في حدوث إعصار في مكان آخر!
ليس علينا أن نأخذ المثال بحرفيته، فليس هناك من رفة فراشة حقيقية أو حتى رفة جناح نسر يمكنه أن يتسبب مباشرة في حدوث إعصار، لكن الفكرة تعني أن الأنظمة المعقدة في الكون كتقلبات الطقس، تطور المجتمعات، أحوال النفس البشرية هي في داخلها وتطورها أنظمة حساسة جداً، وأي تغيير مهما كان بسيطاً قد يغير المسار كلياً، وقد يدمر الحياة، فنفقات الأبخرة وعوادم السيارات على بساطتها مقابل كل الأشياء الهائلة في الكون تسببت في ثقب الأوزون وخلخلت النظام المناخي الذي يوشك أن يدمر الأرض!
أما إنسانياً فإن الفراشة وأثرها يرمزان أولاً وقبل كل شيء إلى الهشاشة والتوحد معاً، فالفراشة وجناحها على ثبوت ضعفهما وتفاهة تأثيرهما في هذا الكون العظيم، إلا أن «نظرية أثر الفراشة» تخبرنا بوضوح أنه ما من شيء تافه في هذا الكون، وما من مخلوق خلق لغير ما سبب، وأن المخلوقات والتفاصيل الصغيرة التي نستصغرها ونستخف بها تظهر لنا في لحظة الأثر كأخطر ما يكون، لنتذكر فقط أن أعظم الهجرات البشرية التي صنعت التاريخ كان أساسها انهيار سد مأرب، هذا الانهيار قد غير مصير وتاريخ الإنسانية!
أما في الأدب فيتحدث الأدباء عن أثر الحب الأول، الجرح الأول، الخيانة الأولى في الحياة كلها، ألم تصنع هذه أعظم الأعمال الأدبية على مر التاريخ؟
يقول محمود درويش:
أثرُ الفراشةِ لا يُرى
أثرُ الفراشةِ لا يزول