الأحكام الجاهزة!

استغربت من ردود الأفعال المتعاطفة مع الرئيس الفنزويلي (مادورو) من قبل الكثير من الجمهور العربي، بعد القبض عليه بواسطة قوات الدلتا الأمريكية الخاصة، ولقد نسي الجميع أمرين: تاريخ الرجل كتاجر مخدرات وحاكم ديكتاتور أوصل بلاده لحافة الانهيار الاقتصادي والجوع، وهي التي تمتلك أضخم احتياطي نفطي يشكل 19.2% من الاحتياطي العالمي.

وتاريخ الولايات المتحدة كقطب عالمي وحيد، لم تلتزم يوماً بقوانين الشرعية الدولية في سياستها الخارجية مع جيرانها دول أمريكا اللاتينية التي لطالما عاملتها كحديقة خلفية لا أكثر، لها سوابق متكررة فيها شبيهة بحالة مادورو (نورييغا حاكم بنما مثلاً حدث له الأمر نفسه)!

البكاء على اللبن المسكوب لا يفيد في محل البقالة كما في السياسة الدولية، لذلك علينا أن نقوم بتفكيك الحالات الطارئة، ونبحث بمنطق سياسي عن الدوافع الأمريكية لما يحدث، نبحث عن علاقة البترول، وتجارة المخدرات ومدى تضرر المجتمع الأمريكي منها، نبحث عن علاقة ما يحدث بتفرد الولايات المتحدة بالسيطرة على موازين القوة، وعن الوضع الاقتصادي المتهاوي في فنزويلا، عن الجوع والفقر، وعلاقة الصراع الأمريكي الروسي.. إلخ.

أما أن نتعاطف مع (مادورو) باعتباره ضحية «الإمبريالية» الأمريكية، ونقف في صفه لأنه ضد أمريكا فهو إذن معنا، ونبدأ في سب أمريكا وغطرستها ونتباكى على الرجل المظلوم وزوجته، فهذا يسمى اصطفافاً لا تحليلاً، وولاء لا تفكيكاً وهتافاً فارغاً لا يحمل أي أسئلة مهمة.

منطق السياسة لا يعمل بالعاطفة أبداً، وهذا ما لم نتخلص منه بعد، مع ذلك لا بد من التأكيد وبصوت عالٍ على حقيقة أن النظام الدولي انتقائي بشكل فاضح، والولايات المتحدة الأمريكية لا تحترم القانون الدولي وسيادة الدول، وتوظف القانون والقوة سياسياً دون أي رادع، وهذا مدان ومرفوض، لكن هذا لا يجعل تاجر المخدرات مناضلاً يستحق التعاطف.

هناك أزمة وعي وأزمة عقل، وهناك قصور في أدوات التحليل السياسي، كما أن هناك ظاهرة متفشية لدينا وهي أن الجميع يتطلع ليصبح محللاً ومفكراً سياسياً في أي حدث طارئ، فيدخل في نقاشات حادة ويتبنى مواقف مجانية، ما يحول الفضاء الإلكتروني إلى حالة عجيبة، وجمهور من المحللين العاطفيين الذين لا يمتلك أحدهم نظرية سياسية أو إعلامية أو اقتصادية واحدة ينطلق منها في تحليلاته!