مضى زمن طويل منذ آخر زيارة لي للبحرين، على الرغم من قربها الشديد منا، إلا أن الحياة تسرقنا أحياناً، ليس من أهلنا فقط، ولكن من أنفسنا تسرقنا الحياة، الجميل أنه مهما طال السفر فلا بد من صنعاء، كما يقول أهلنا في اليمن. لا بد من البحرين. وقد وجدت آخر عبارة سمعتها وأنا أسلم على والدتي قبل مغادرة البيت للمطار دليلاً على مكانة هذا البلد الحميم في القلب والذاكرة حين قالت: البحرين، ماء العين! يا الله ما أرقه من تعبير.

استقبلتني البحرين كما توقعت، بحفاوة وطيبة، لا يذكر أهلها إلا وأذكر هذه الصفات مرفقة بهم، لكنني وجدت مطارها باذخاً وفسيحاً ومختلفاً عما أعهده، ولأنها بلاد هادئة لا تعرف الصخب والضوضاء فقد صافحت هدوء مطارها بكثير من الارتياح، لكن المساء كذّب ظني، فقد علقنا في زحام لا يمت بصلة لكل هذا الهدوء، حيث تشهد المحرق أجواء مهرجانات وفعاليات تجتذب الكثيرين في المساء. إنه الشتاء ملعب المدن الخليجية، حيث تنتعش مظاهر الاحتفالات والليالي المضيئة مشكّلة سياحة نشطة في معظم مدننا.

رافقتني خلال النهار فتاة بحرينية عذبة، متحدثة لبقة، وذات مدونة حكائية حلوة لا تمل، وكانت إقامتي في واحد من أجمل الأماكن في المدينة (نزل السلام) التابع لمركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث.

نقلتني تفاصيل النزل إلى طفولتي مباشرة، فقد تربيت في بيت يشبهه في تفاصيله، الغرف والنوافذ الخشبية المسيجة بقضبان الحديد، والأبواب الخشبية المزينة بزجاج جميل، وبالتأكيد فإن مظاهر العناية والذوق الرفيع والفن كانت تملأ جوانب النزل، جاعلة منه لوحة فنية وحالة تراثية شديدة التأثير في الروح. إنها روح خليجية صرفة، هذا أول انطباع يمر على البال، ناهيك عن كرم الضيافة الغامر في كل شيء.

كانت روح البحرين التي ما زلت أتذكرها منذ زيارتي المتباعدة لا تزال ظاهرة في كل التفاصيل، فهذه هي البحرين، بطرز معمارها، أحيائها، هدوء أهلها، بساطتها، وشعبها الذي تراه في كل مكان تدخله، المشروع الحداثي يسيطر في أمكنة كثيرة، وهذا من طبيعة الحال في أيامنا، إلا أن هوية واضحة تطبع المكان بوضوح لا ينكر.