يفكر الجميع في الأثر والانطباع الذي سيتركونه في نفوس وقلوب من يلتقونهم، ومن يحبونهم، ويحرص الشاب أو الفتاة وكل شخص يتقدم لوظيفة جديدة في مستهل حياته على الطريقة المثلى التي يتبعها ليترك ذلك الانطباع الذي لا ينسى، أو الأثر الذي يجعل اللجنة أو الشخص الذي تجرى معه المقابلة يقرر اختياره دون سواه لشغل الوظيفة، والسؤال: هل يتوقف اختيار شخص لشغل وظيفة على ذلك الانطباع؟ أحياناً نعم، مشفوعاً بكل المقومات الأخرى ذات الأهمية بطبيعة الحال!
كم شخصاً التقيت بهم في حياتك وحدث أن قلت لأحدهم ممن باعدت بينكما الحياة لتجمعكما ثانية، إن الأثر الذي تركه فيك لا يزال باقياً كوشم على الجلد رغم تباعد السنوات؟ ربما ليسوا كثيرين، ربما يكون واحداً فقط، لكن من المؤكد أن هناك أحداً قد ترك ذاك الأثر الذي لا ينسى! لكن لماذا يكون هذا الشخص تحديداً؟ وما الأثر الذي لا ينسى على وجه الخصوص؟ وكيف يحدث أن يكمن في الذاكرة كل هذا الوقت رغم أنه حصل لأول مرة، أو لمرة واحدة فقط؟ هل هي الروح أم الذاكرة من يفصّل لنا الأشياء ويختار لنا المسارات التي تتقاطع وتلتقي في حياتنا؟
يقول الكاتب الروسي دوستويفسكي في رواية الفقراء:
«لعلني سأموت عما قريب، حينها لن يتذكرني أحد ولن يقف عند قبري أي إنسان، سيقول بعض من كان يعرفني: كان شهماً طيباً، وسيقول البعض الآخر: كان وغداً حقيراً.
سوف تُطوى صفحتي من سجل الحياة، ولن يبقى هناك أي أثر يدل على مجيئي، وستكون الحياة من بعدي كسابق عهدها لن يتغير فيها شيء، وستبقى الشمس تشرق كل صباح وتغيب كل مساء، الشيء الوحيد الذي تغير هو عدم وجودي، ومع ذلك فقد قضيت عمري كله قلقاً مرتاباً، خائفاً مما حدث ومما سيحدث، ناسياً نفسي ومهتماً لكلام الآخرين».
ما يعني أن الإنسان أياً كانت طبيعته وتكوينه، ومهما كان ظننا تجاهه ونظرتنا له، إلا أن الأثر الذي يتركه فينا يبقى مهماً بالنسبة له بطريقة قد لا ننتبه لها أبداً!